فيضانات النيبال: إنذار مبكر بكوارث مناخية قد تضرب جنوب آسيا
الفيضانات الكارثية التي اجتاحت المناطق الجبلية الحدودية في النيبال ليست مأساة وطنية فحسب، فقد تكون نموذجاً مصغراً لما قد تواجهه جنوب آسيا في السنوات المقبلة: كوارث مفاجئة ومتداخلة، تتضافر فيها عوامل عدة في مقدمها ذوبان الجليد، وعدم استقرار الجبال، والأمطار القاسية، وهشاشة البنية التحتية، لتنتج تداعيات شديدة التدمير.
كانت كارثة 26 أغسطس/آب عنيفة: أدى انهيارٌ شمل كتلاً من الجليد والصخور والحطام إلى اندفاع سيل جارف عبر أودية الهيمالايا قرب الحدود بين النيبال والصين، مدمراً تجمعات سكنية وطرقاً وجسوراً ومنشآت للطاقة الكهرومائية. وبحلول 29 أغسطس/آب، كانت الكارثة قد أوقعت أكثر من 600 قتيل في النيبال والتيبت، فيما بقي كثيرون في عداد المفقودين. وتقدّر الحكومة النيبالية تكلفة إعادة الإعمار بما بين 4 و5 مليارات دولار، أي ما يقارب عُشر حجم اقتصاد البلاد، فيما تضرر أكثر من 12% من قدرة النيبال على توليد الكهرباء.

الخطر أكبر من النيبال
علمياً، مبكر نسب انهيار جليدي أو صخري بعينه بالكامل إلى التغير المناخي. لكن الظروف المحيطة التي تجعل مثل هذه الكوارث أكثر خطورة باتت واضحة بصورة يصعب تجاهلها.
فمنطقة هندو كوش الهيمالايا، وهي النظام الجبلي الهائل الممتد عبر دول تشمل النيبال والهند وبوتان وباكستان وأفغانستان والصين، تشهد احتراراً متسارعاً. وكان المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال "ICIMOD" قد أفاد بأن وتيرة فقدان الجليد في أنهار المنطقة الجليدية تضاعفت تقريباً منذ عام 2000. كما تشير تقييماته الأوسع إلى أن أنهار الهيمالايا الجليدية قد تفقد ما يصل إلى 80% من حجمها الحالي بحلول نهاية القرن، إذا استمرت الانبعاثات على مسارها الراهن.
هذه التحولات لا تغيّر شكل الجبال فحسب. فتراجع الأنهار الجليدية يؤدي إلى نشوء بحيرات جليدية جديدة أو اتساع بحيرات قائمة لكنها غير مستقرة. كما يؤدي ذوبان التربة الصقيعية إلى إضعاف منحدرات ظلت متجمدة طوال قرون. وقد تسقط كتل صخرية ضخمة في بحيرات جليدية، فتولد موجات قوية وانفجارات فيضانية كارثية. وفي الوقت نفسه، يستطيع الغلاف الجوي الأكثر دفئاً الاحتفاظ بكميات أكبر من الرطوبة، ما يزيد احتمال هطول أمطار شديدة خلال فترات زمنية قصيرة.
والنتيجة هي ما يسميه علماء الكوارث "المخاطر المتسلسلة": يبدأ الأمر بحادث واحد، لكنه يطلق سلسلة من الأحداث المتلاحقة، قبل أن تصطدم السيول والانهيارات بالطرق والسدود والقرى ومحطات الكهرباء في اتجاه مجرى النهر.
اختبرت النيبال بالفعل هذا النوع من الكوارث. ففي تحقيق بشأن فيضان منطقة ثامي في 2024، وجد المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال أن انهياراً صخرياً ضرب بحيرة جليدية، مولداً موجة أدت إلى انهيارها وتحرير نحو 156 ألف متر مكعب من المياه. كما شهدت منطقة إيفرست وحدها خمسة فيضانات كبيرة ناجمة عن انفجار بحيرات جليدية خلال أقل من خمسين عاماً.
مشكلة إقليمية تحتاج إلى حلول إقليمية
ما يجعل هذا التحذير أشد خطورة من غيره هو حجم المنطقة المتأثرة. فالمنظومة الجليدية في هندو كوش الهيمالايا تؤمن الحياة لأكثر من 270 مليون شخص في المناطق الجبلية، وتغذي أنظمة أنهار يعتمد عليها نحو ملياري شخص في المناطق الواقعة أسفل هذه الجبال.

ولهذا، لا تستطيع الهند وباكستان وبنغلادش وبوتان والنيبال التعامل مع كوارث الهيمالايا باعتبارها أزمات وطنية منفصلة. فالأنهار لا تعترف بالحدود السياسية، وكذلك الفيضانات الجليدية وتدفقات الرواسب والتغيرات في أنماط الرياح الموسمية.
إن الدرس الذي تقدمه النيبال اليوم لا يقتصر على ضرورة الاستعداد لـ"مزيد من الفيضانات". فالمطلوب هو استعداد الحكومات لكوارث أقل قابلية للتنبؤ: زخات مطرية شديدة بعد فترات جفاف، وانهيارات جبلية مفاجئة، وانفجار بحيرات جليدية، وأحداث مركبة قادرة على تدمير بنى تحتية كاملة خلال دقائق.
وكان المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال قد حذر بالفعل، حتى قبل هذه الكارثة، من أن موسم الرياح الموسمية لعام 2026، وإن جاء أضعف من المعدلات المعتادة، قد ينتج فترات قصيرة من الهطول الشديد القادر على التسبب بفيضانات خاطفة ومدمرة.
النيبال إذاً ليست استثناءً بيئياً. إنها تحذير صادر من سقف العالم: "التغير المناخي لم يعد يعيد رسم أنماط الطقس في جنوب آسيا فحسب، إنما بدأ يؤثر في الاستقرار المادي للطبيعة نفسها".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
طقس نهاية الأسبوع في لبنان: ماطر بغزارة مع برق ورعد واحتمال تساقط حبات من البرد وتشكّل السيول
نبض