هل ترمّم الولايات المتحدة قواعدها المستهدفة من إيران؟
بدّلت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران الكثير من المفاهيم والاعتبارات السياسية والعسكرية التقليدية، وبينها جدوى وجود مواقع وقواعد أميركية في الشرق الأوسط، على مقربة جغرافية من إيران وضمن مدى الصواريخ والمسيّرات. خلال الحرب، أجلت الولايات المتحدة العديد من عسكرها من القواعد القريبة من إيران إلى قواعد أبعد، وتعرّضت المواقع لقصف كثيف أدّى إلى دمار ملحوظ.
هذه المشهدية طرحت سؤالاً محورياً: هل سترمّم الولايات المتحدة القواعد التي تعرّضت للقصف في الشرق الأوسط لتعيد استخدامها، أم ستحجم عن ذلك بعدما تبيّنت محدودية جدوى هذه المواقع خلال الحرب؟
حسب تقديرات معهد "أميركان إنتربرايز"، وهو مركز أبحاث في واشنطن، فإن تكاليف إصلاح الأضرار التي لحقت بـ11 قاعدة أميركية موزعة على سبع دول في الشرق الأوسط بنحو 5 مليارات دولار، وفق دراسة نشرها خلال نيسان/أبريل الماضي. فهل ستنفق الولايات المتحدة مبالغ إضافية على هذه القواعد، أم ستسعى نحو بدائل أخرى؟
إعادة تموضع
ثمة تقديرات بأن الإدارة الأميركية لن تخصّص ميزانيات لإعادة تأهيل قواعد تقع ضمن نطاق التهديدات الجوّية الإيرانية، لأن إيران ستستمر في استهدافها. وفي هذه الحالة، فإن الإدارة الأميركية قد تلجأ إلى إعادة تموضع أصولها العسكرية خارج نطاق الخطر الإيراني. لكن ذلك قد يرتّب نتائج عسكرية سلبية على معادلات الأمن الإقليمي والنفوذ الأميركي فيها.
صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنقل عن هال براندز، الباحث في جامعة "جونز هوبكنز" قوله إن "هذه المنشآت، ولا سيما القواعد الكبيرة، معرّضة للخطر بشدة. وسنشهد إعادة توزيع للوجود العسكري الأميركي. سيُقلّص الوجود بعيداً عن القواعد التي تقع ضمن مدى الصواريخ القصيرة المدى والطائرات المسيّرة".
من جهته، يقول نيت سوانسون، المدير السابق لشؤون إيران في مجلس الأمن القومي الأميركي: "لا جدوى تُذكر من إعادة بناء بعض هذه المواقع"، فيما تقول دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع الأميركي السابقة لشؤون الشرق الأوسط: "بإمكاننا القيام بشيء أكثر مرونة وسرعة استجابة"، مشيرةً إلى أن التصميم المكشوف لقواعد المنطقة يُعدّ "إرثاً قديماً" لا يتناسب مع الصراعات الحديثة.
حلول بديلة... ماذا عن فاعليتها؟
نقلت الولايات المتحدة قواتها إلى إسرائيل والأردن خلال الأشهر الستة الماضية من الحرب، لكن هذه المواقع لم تكن بمنأى عن القصف الإيراني الذي طالها. كذلك أطلقت الولايات المتحدة طائرات ومسيّرات من قواعد في أوروبا. اعتماد هذه الحلول البديلة كان بهدف تقليص الخسائر البشرية والعسكرية، لكنها لم تكن كافية، وقُتل جنديان أميركيان بضربة إيرانية استهدفت قاعدة أميركية في الأردن.

وبالتالي، فإن طهران التي تنظر إلى المواجهة الطويلة الأمد مع واشنطن على أنها حتمية بنحو متزايد، ستتكيّف أيضاً مع تحركات الولايات المتحدة. في هذا السياق، يقول داني سيترينوفيتش، المحلل الإيراني السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، إنه يتوقع أن "تستثمر" إيران أكثر في صواريخ متوسطة المدى قادرة على ضرب الأردن وإسرائيل. وأضاف: "سيغيّرون من هيكل قواتهم. وسيواصلون البحث عن أهداف".
تحدّيات إعادة التموضع
إعادة التموضع الأميركي ستجبر واشنطن على مواجهة معضلة استراتيجية: كيف تخفض وجودها في المنطقة دون تشجيع إيران أو إثارة قلق حلفائها. تشير سترول إلى وجوب "تحقيق توازن دقيق" بين المتطلبات العملياتية الأميركية والتزامات واشنطن تجاه شركائها، مشيرةً إلى ضرورة تقييم الأصول والوجود العسكري لدعم أمن دول المنطقة.
وستواجه الولايات المتحدة تحدّي تداعيات الفراغ العسكري الذي ستخلفه إثر انسحابها أو تقليل أعداد عناصرها في هذه المناطق. فالنفوذ السياسي هو امتداد طبيعي للوجود العسكري. انسحاب الولايات المتحدة وتراجع قدرتها على الحركة قد ينعكس انحساراً للنفوذ. في هذا السياق، يجد بعض الخبراء في حاملات الطائرات بدائل مناسبة قادرة على التحرّك لتوفير الحماية.
في المحصّلة، فإن الحرب بدّلت الوظيفة الطبيعية للقواعد الأميركية في المنطقة، التي باتت سهلة الاستهداف وذات قيمة تشغيلية محصورة. والكلفة المرتفعة لترميم هذه القواعد إثر الاستهدافات الإيرانية، والقدرة الإيرانية على الاستمرار في استهداف هذه المواقع، ستدفعان الإدارة الأميركية للتفكير أكثر في جدوى ترميم المواقع والحلول البديلة.
نبض