قبرص بين اليونان وتركيا... رواية الجزيرة المقسومة
بعد اثنين وخمسين عاماً على إنزال القوات التركية على السواحل الشمالية لقبرص في 20 تموز/يوليو 1974، لا تزال الجزيرة تمثل أحد أطول النزاعات غير المحسومة في العالم. فقد أدى التدخل العسكري التركي، الذي جاء عقب انقلاب السلطة العسكرية الحاكمة في اليونان، إلى تقسيم الجزيرة بشكل دائم إلى كيانين، وهو واقع لا يزال قائماً رغم عقود من جهود الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة ومحاولات إعادة توحيد البلاد.
لكن حوادث عام 1974 لم تكن بداية القضية القبرصية، بل كانت ذروة صراع بدأ قبل الاستقلال بسنوات، تغذّيه تطلعات قومية متعارضة، وأزمة دستورية، وتصاعد في العنف بين مكوّنَي الجزيرة.
كيف بدأ تقسيم قبرص؟
عندما حصلت قبرص على استقلالها عن بريطانيا عام 1960، لم يكن الاستقلال في الحقيقة الخيار الذي فضّلته أي من الطائفتين الرئيسيتين. فقد كان الهدف السياسي الأبرز لدى غالبية القبارصة اليونانيين هو "الإينوسيس" (Enosis)، أي الاتحاد مع اليونان، وهو مشروع استند إلى اللغة المشتركة، والإرث الثقافي الهيليني، والانتماء إلى الكنيسة الأرثوذكسية، فضلاً عن تاريخ يمتد لآلاف السنين. وفي استفتاء نظمته الكنيسة عام 1950، صوّت نحو 95% من القبارصة اليونانيين المشاركين لمصلحة الاتحاد مع اليونان.
في المقابل، عارضت بريطانيا هذا التوجه، نظراً إلى الأهمية الاستراتيجية لقبرص في شرق البحر المتوسط، بينما فضّل معظم القبارصة الأتراك، الذين شكّلوا نحو 18% من سكان الجزيرة، إما استمرار الإدارة البريطانية وإما "التقسيم" (Taksim)، أي تقسيم الجزيرة إلى مناطق يونانية وأخرى تركية.
وجاءت اتفاقيتا زيورخ ولندن كحل وسط لم يُرضِ أياً من الطرفين. فقد أصبحت قبرص جمهورية مستقلة، فيما مُنحت بريطانيا واليونان وتركيا صفة الدول الضامنة للنظام الدستوري الجديد. كما أُقيم نظام لتقاسم السلطة بين القبارصة اليونانيين والأتراك، يقوم على اعتبارهما شريكين مؤسسين للدولة، لا غالبية وأقلية.
وقَبِل رئيس الجمهورية الأول، رئيس الأساقفة مكاريوس الثالث، الذي كان من أبرز مؤيدي الاتحاد مع اليونان، الاستقلال باعتباره السبيل الوحيد لإنهاء الحكم البريطاني. إلا أن كثيرين من القبارصة اليونانيين اعتبروا أن الدستور منح الأقلية التركية نفوذاً سياسياً يفوق حجمها، بينما كانوا يرون أن النظام الديموقراطي يجب أن يعكس إرادة الغالبية مع ضمان حقوق الأقليات، لا أن يساوي بين الطرفين في السلطة.
انهيار النظام
وسرعان ما بدأ هذا النظام الهش بالانهيار. ففي عام 1963، اقترح مكاريوس ثلاثة عشر تعديلاً دستورياً بهدف تبسيط عمل الدولة وجعل مؤسساتها أكثر فاعلية، لكن القبارصة الأتراك رفضوا المقترحات معتبرين أنها تنتقص من الضمانات التي كفلها لهم الدستور.
وفي العام نفسه، أدى خلاف بين شرطي قبرصي يوناني ومدنيين قبارصة أتراك أثناء عملية تدقيق روتينية في الهويات إلى إطلاق نار أودى بحياة عدد من الأشخاص، ليتحول سريعاً إلى موجة من أعمال العنف عُرفت لدى القبارصة الأتراك باسم "عيد الميلاد الدامي". وأسفرت الاشتباكات عن نشر قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام في قبرص (UNFICYP)، والتي لا تزال منتشرة في الجزيرة حتى اليوم، كما انسحب مسؤولون قبارصة أتراك، أو أُجبروا على مغادرة مؤسسات الدولة، ما أدى إلى شلل عملي في نظام تقاسم السلطة.
وجاءت نقطة التحول الحاسمة في تموز/يوليو 1974، عندما أطاح الحرس الوطني القبرصي، بدعم من المجلس العسكري الحاكم في اليونان، الرئيس مكاريوس، ونصّب نيكوس سامبسون، المعروف بتأييده لمشروع الاتحاد مع اليونان، رئيساً للبلاد.
كيف وصلت تركيا إلى قبرص؟
وبعد خمسة أيام فقط من الانقلاب، أطلقت تركيا عملية عسكرية، مبررة تدخلها بحقوقها كدولة ضامنة وبضرورة حماية القبارصة الأتراك.
ورغم التوصل إلى وقف لإطلاق النار برعاية الأمم المتحدة، واصلت القوات التركية عملياتها العسكرية وسيطرت في نهاية المطاف على نحو 36% من مساحة الجزيرة. وأسفر النزاع عن مقتل نحو خمسة آلاف يوناني وقبرصي يوناني، فيما اضطر نحو 150 ألف قبرصي يوناني إلى النزوح من شمال الجزيرة، ليصبحوا لاجئين داخل وطنهم.
وفي عام 1983، أعلنت "جمهورية شمال قبرص التركية" استقلالها من جانب واحد، وهي خطوة لم تعترف بها سوى تركيا، بينما لا تزال الأمم المتحدة ومعظم دول العالم تعتبر المنطقة جزءاً من جمهورية قبرص وخاضعة للسيطرة التركية.
وفي عام 2004، انضمت "جمهورية قبرص" المعترف بها دولياً إلى الاتحاد الأوروبي. ورغم أن قانون الاتحاد الأوروبي يشمل الجزيرة بأكملها من الناحية القانونية، فإنه يبقى معلقاً في الشمال، حيث لا تمارس الحكومة القبرصية سيطرتها الفعلية. وفي العام نفسه، وافق معظم القبارصة الأتراك على خطة الأمم المتحدة لإعادة توحيد الجزيرة، بينما رفضتها غالبية القبارصة اليونانيين، لتستمر حالة الانقسام رغم انضمام قبرص إلى الاتحاد الأوروبي.
قبرص "خمسة أجزاء"
واليوم، تنقسم قبرص فعلياً إلى "خمسة أجزاء": جمهورية قبرص في الجنوب، العضو في الاتحاد الأوروبي؛ وجمهورية شمال قبرص التركية في الشمال، التي لا تعترف بها سوى تركيا؛ والمنطقة العازلة التابعة للأمم المتحدة، المعروفة بـ"الخط الأخضر"، والتي تفصل بين الجانبين؛ بالإضافة إلى قاعدتي "أكروتيري" و"ديكيليا" البريطانيتين، اللتين بقيتا تحت السيادة البريطانية منذ استقلال الجزيرة عام 1960.
كما تبقى نيقوسيا العاصمة الوحيدة في العالم التي لا تزال مقسّمة، إذ يشق "الخط الأخضر" وسطها التاريخي، ليقسم المدينة إلى شطرين. وبعد أكثر من نصف قرن على حوادث عام 1974، لا تزال القضية القبرصية من دون حل، فيما نشأت أجيال كاملة لم تعرف سوى واقع الانقسام، ليبقى هذا المشهد شاهداً على كيف يمكن الطموحات القومية، والأزمات الدستورية، والتنافسات الجيوسياسية أن ترسم مصير جزيرة لعقود طويلة.

نبض