كولومبيا تنعطف يميناً... ضربة جديدة لـ"الموجة الوردية"

العالم 22-06-2026 | 13:25

كولومبيا تنعطف يميناً... ضربة جديدة لـ"الموجة الوردية"

تفتح نتيجة الرئاسة الكولومبية باباً جديداً للنقاش حيال مستقبل "الموجة الوردية" التي أعادت اليسار إلى السلطة في عدد من دول القارة خلال العقد الأخير.
كولومبيا تنعطف يميناً... ضربة جديدة لـ"الموجة الوردية"
أبيلاردو دي لا إسبريا يتحدث إلى أنصاره بعد إعلان النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية في بارانكيا، 21 حزيران/يونيو 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

جاء فوز أبيلاردو دي لا إسبريا في الانتخابات الرئاسية الكولومبية تتويجاً لتحوّل سياسي يتجاوز حدود بلاده. فالرجل الذي دخل الحياة السياسية من خارج الأحزاب التقليدية، مستنداً إلى خطاب متشدد في الأمن والجريمة، أصبح أحدث الوجوه اليمينية الصاعدة في أميركا اللاتينية، لينضم إلى سلسلة من القادة الذين نجحوا خلال السنوات الأخيرة في استثمار غضب الناخبين من الأوضاع الاقتصادية وتدهور الأمن وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية.

 

وتفتح نتيجة الرئاسة الكولومبية باباً جديداً للنقاش حيال مستقبل "الموجة الوردية" التي أعادت اليسار إلى السلطة في عدد من دول القارة خلال العقد الأخير. ففي وقت لا تزال فيه حكومات يسارية تحكم دولاً وازنة مثل البرازيل والمكسيك وتشيلي، تتزايد المؤشرات إلى أن الزخم الذي رافق صعودها قبل سنوات يواجه اختباراً صعباً أمام صعود تيار يميني جديد يركز على الأمن والنمو الاقتصادي أكثر من الصراعات الأيديولوجية التقليدية.

 

كولومبيا تودّع أول تجربة يسارية

 

شكّل انتخاب غوستافو بيترو عام 2022 محطة تاريخية في كولومبيا بوصفه أول رئيس يساري في تاريخ البلاد الحديث. آنذاك، اعتُبرت النتيجة جزءاً من موجة إقليمية حملت قوى يسارية أو يسار-وسط إلى السلطة في عدد من دول أميركا اللاتينية.

غير أن الانتخابات الأخيرة عكست مزاجاً مختلفاً. فقد تصدرت قضايا الأمن والعنف والجريمة المنظمة اهتمامات الناخبين، بعدما توسعت أنشطة الجماعات المسلحة وشبكات تهريب المخدرات في مناطق عدة من البلاد. وأصبحت استراتيجية "السلام الشامل" التي اعتمدتها حكومة بيترو موضع انتقادات متزايدة بسبب محدودية نتائجها على الأرض، ما منح مرشحي اليمين فرصة للهجوم على أداء السلطة وتقديم أنفسهم كبديل أكثر حزماً.

وبنى دي لا إسبريا حملته على وعود بإنهاء المفاوضات مع الجماعات المسلحة، وتوسيع العمليات العسكرية ضد شبكات المخدرات، وتقليص حجم الدولة، وتحفيز الاستثمار في قطاعي النفط والغاز. وهي رسائل لاقت صدى لدى شرائح واسعة من الطبقة الوسطى وقطاع الأعمال والناخبين القلقين من تدهور الوضع الأمني.

 

من ميلي إلى دي لا إسبريا

 

لا تبدو كولومبيا حالة منفصلة عن محيطها. ففي الأرجنتين، وصل خافيير ميلي إلى السلطة على خلفية أزمة اقتصادية خانقة. وفي الإكوادور، عزز دانيال نوبوا حضوره السياسي عبر خطاب يربط بين الأمن والاستقرار الاقتصادي. كما شهدت دول أخرى صعوداً لأحزاب محافظة أو يمين-وسط، بينما تتوقع مراكز أبحاث ومؤسسات اقتصادية استمرار هذا الاتجاه في عدد من الانتخابات المقبلة داخل القارة.

واللافت أن هذا اليمين الجديد يختلف عن اليمين التقليدي الذي حكم أجزاء واسعة من أميركا اللاتينية خلال العقود الماضية. فشخصيات مثل ميلي ودي لا إسبريا تقدم نفسها بوصفها قوى متمردة على النخب السياسية القائمة، وتتبنى خطاباً شعبوياً حاداً ضد البيروقراطية والأحزاب التقليدية، مع التركيز على ملفات الأمن والاقتصاد والفساد. وفي هذا السياق، يبرز تأثير نموذج رئيس السلفادور نجيب بوكيلة الذي تحولت حملته ضد العصابات والجريمة إلى مرجعية يستشهد بها عدد متزايد من المرشحين المحافظين في القارة.

 

مؤيدة لأبيلاردو دي لا إسبريا تلتف بالعلم الأميركي بانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية في بارانكيا، 21 حزيران/يونيو 2026. (أ ف ب)
مؤيدة لأبيلاردو دي لا إسبريا تلتف بالعلم الأميركي بانتظار نتائج الانتخابات الرئاسية في بارانكيا، 21 حزيران/يونيو 2026. (أ ف ب)

 

لماذا تتراجع "الموجة الوردية"؟

 

لا يرتبط التحدي الأكبر الذي تواجهه الحكومات اليسارية بالأيديولوجيا بقدر ما يرتبط بالنتائج. فبعد سنوات من الوعود بالإصلاح الاجتماعي وتقليص الفوارق الاقتصادية، وجدت هذه الحكومات نفسها أمام بيئة اقتصادية أكثر صعوبة، وارتفاع في معدلات التضخم، وتباطؤ في النمو، وتزايد في نفوذ الجريمة المنظمة في بعض الدول.

وفي كولومبيا، كما في دول أخرى، تحولت مسألة الأمن إلى أولوية انتخابية تتقدم على ملفات كثيرة أخرى. ووفق بيانات "لاتينوبارومتر" لعام 2024، تصدرت الجريمة والأمن العام قائمة المخاوف في عدد من دول أميركا اللاتينية، متقدمة على الاقتصاد والفساد في بعضها. كما أظهرت استطلاعات وطنية في دول مثل البرازيل أن 60% من المواطنين اعتبروا الجريمة المشكلة الأولى التي تواجه البلاد، مقابل 15% فقط أشاروا إلى الاقتصاد. وفي تشيلي، بات الأمن القضية الأكثر حضوراً في النقاش السياسي والانتخابي، مع اعتبار 63% من المستطلعين الجريمة مصدر قلقهم الرئيسي. في هذا المناخ، نجحت أحزاب اليمين في توظيف المخاوف الأمنية أكثر من منافسيها.

ويشير ذلك إلى أن الناخب اللاتيني بات أكثر ميلاً إلى تبديل خياراته وفق الأداء الحكومي والظروف الاقتصادية والأمنية، أكثر من ارتباطه الطويل بالانقسامات الأيديولوجية التقليدية. وهو ما يفسر انتقال بعض الدول من اليسار إلى اليمين خلال دورة انتخابية واحدة، وإمكان حدوث العكس في استحقاقات مقبلة.

 

ترامب والمزاج المحافظ الجديد

 

حظي فوز دي لا إسبريا بترحيب سريع من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد من المسؤولين الأميركيين، في مشهد يعكس تقارباً سياسياً متزايداً بين واشنطن ومجموعة من الحكومات المحافظة في القارة. كما يعزز هذا التقارب فرص التعاون في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة المخدرات، وهي قضايا تتصدر أولويات الإدارة الأميركية الحالية.

لكن الأهمية الحقيقية للانتخابات الكولومبية قد تكمن في دلالتها السياسية الأوسع. لكن الأهمية الحقيقية للانتخابات الكولومبية قد تكمن في اختبارها لمستقبل التوازنات السياسية داخل القارة. فبعد سنوات من صعود اليسار، تتجه الأنظار إلى الاستحقاقات المقبلة في البرازيل ودول أخرى لمعرفة ما إذا كان فوز دي لا إسبريا بداية موجة أوسع، أم مجرد تحول محلي فرضته ظروف كولومبيا الخاصة.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/20/2026 2:13:00 PM

خلف صورة القوة الاقتصادية والنفوذ العالمي، تخوض أكبر اقتصادات العالم معركة أخرى صامتة: سباق الاقتراض، حيث باتت الديون تتضخم بوتيرة تقترب من حجم الاقتصاد العالمي نفسه.

فن ومشاهير 6/20/2026 10:38:00 AM
وكان آخر لقاء مباشر بينهما في أيلول/ سبتمبر 2025.
رياضة 6/18/2026 8:53:00 AM
اكتشف النتائج الكاملة للجولة الأولى من دور المجموعات في كأس العالم 2026، مع أبرز المفاجآت وتألق ليونيل ميسي في المباراة الأولى للأرجنتين أمام الجزائر
رياضة 6/19/2026 7:09:00 PM
داخل إحدى حفلات الزفاف، لم يتردّد الضيوف في التجمّع أمام شاشة كبيرة لمتابعة اللقاء، في صورة تختصر حالة حمّى المونديال التي اجتاحت البلاد بالكامل