إيبولا والحرب والجوع... ثلاثية الكونغو التي لا يسمع عنها أحد
تعود جمهورية الكونغو الديموقراطية إلى واجهة الاهتمام العالمي مع إعلان حالة طوارئ بسبب تفشي سلالة نادرة من إيبولا، في بلد يعيش أساساً أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم. وبين الحروب المستمرة، والجوع، والأوبئة، تبدو الكونغو عالقةً في حلقة مفرغة من العنف والفقر، رغم امتلاكها ثروات طبيعية هائلة تجعلها لاعباً أساسياً في الأسواق العالمية، خصوصاً في سوق المعادن المستخدمة بصناعة التكنولوجيا والبطاريات.
بلد غني وأزمة لا تنتهي
تُعد جمهورية الكونغو الديموقراطية ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، وثالث أكبر دولة من حيث عدد السكان في القارة السمراء، بنحو 112 مليون شخص.
بلاد غنية بالمواد الخام، كالألماس والذهب والنحاس والكوبالت وغيرها، ورغم ذلك تُعد من أفقر دول العالم. فبحسب تقرير نشره المعهد الوطني للإحصاء في كينشاسا في شباط/فبراير الماضي، لا يزال نحو 68% من السكان يعيشون على أقل من 5700 فرنك كونغولي يومياً، أي ما يقل عن 3 دولارات أميركية.
فالهاتف الذي ربما تقرأ منه هذه الكلمات يحتوي على الأرجح على كوبالت كونغولي، والبطارية التي تشحنها استُخرج معدنها من أعماق هذه الدولة التي يُقتل فيها الناس ويجوعون ويموتون بالأوبئة، في ظروف قد لا يسمع عنها كثيرون.
إيبولا... لماذا تتكرر الكارثة؟
في السابع عشر من أيار/مايو الجاري، أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية عالمية بسبب تفشي سلالة نادرة من إيبولا تُعرف بـ"بونديبوجيو" في جمهورية الكونغو الديموقراطية ورواندا، ما أدى إلى إصابة ووفاة العشرات حتى الآن.
وتشهد جمهورية الكونغو تفشياً لوباء إيبولا بمعدل مرة كل ثلاث سنوات تقريباً. وتعود الأسباب إلى إزالة الغابات، والعادات الغذائية، ونقص الرعاية الطبية، وانعدام الأمن، والنزاعات المسلحة. غير أن التفشي الجديد يحمل خطورةً إضافية، إذ لا يوجد حتى الآن لقاح معتمد لهذه السلالة.
ثلاثية الموت
إيبولا ليست الأزمة الوحيدة التي تواجهها الكونغو. فمنذ سنوات، تعيش البلاد ما يمكن وصفها بثلاثية الموت، أي الحروب والجوع والأوبئة.
فالبلد الأفريقي يعاني صراعات بين الجماعات المسلحة والدولة، إلى جانب نزاعات طائفية تغذيها الرغبة في السيطرة على الموارد الطبيعية، فيما يضرب الجوع ملايين السكان، بالتزامن مع أوبئة متكررة.
والمشكلة أن هذه الأزمات لا تسير بالتوازي فقط، إذ يُغذي كل منها الآخر في حلقة مفرغة لا يبدو أن أحداً ينجح في كسرها.

حروب بلا نهاية
في شرق الكونغو، تشهد البلاد منذ أكثر من ثلاثة عقود نزاعات مسلحة متواصلة، تشارك فيها عشرات الجماعات المسلحة المحلية والأجنبية.
ومن أبرز هذه الجماعات حركة M23 المدعومة رواندياً، والتي تمكنت مطلع عام 2025 من السيطرة على مدينتَي غوما وبوكافو، ما أسفر عن موجات نزوح جماعي وعمليات إعدام خارج نطاق القضاء وأعمال نهب واسعة.
ويُضاف إلى ذلك نشاط جماعات مسلحة أخرى، كقوات ADF ذات الأصول الأوغندية، فضلاً عن تورط قوات الجيش الكونغولي نفسها في انتهاكات بحق المدنيين.
وعلى صعيد الاستجابة الدولية، تتعدد المبادرات الديبلوماسية والعسكرية والقضائية من دون نتائج ملموسة. وتنتشر قوات إقليمية من دول، كأوغندا وبوروندي وجنوب أفريقيا، فيما تنظر محاكم دولية في جرائم ارتُكبت في المنطقة.
غير أن المنظمة الدولية لحقوق الإنسان FIDH تؤكد أن هذه الاستجابات تبدو متكررة وغير كافية، وأن الإفلات من العقاب لا يزال سيد الموقف، في ظل جوع وفقر يزيدان المشهد تعقيداً.
لعنة المواد الخام... الكوبالت مثالاً
تهيمن الكونغو الديموقراطية على سوق الكوبالت العالمية بنسبة تتجاوز 67% من الإنتاج العالمي، فيما تمتلك 55% من الاحتياطات.
ويعمل في مناجم الكوبالت بمقاطعة لوالابا جنوب شرق الكونغو أكثر من 11 ألف عامل في ظروفٍ بالغة القسوة، إذ يحفرون آباراً يصل عمقها إلى 100 متر بأدوات بدائية ومن دون أي وسائل حماية تُذكر.
ويتعرض هؤلاء العمال لمخاطر الانهيارات والغرق خلال موسم الأمطار، فضلاً عن استنشاق الغبار السام الذي يتسبب بأمراضٍ خطيرة وتشوهات خلقية لدى أبنائهم.
ورغم امتلاك الكونغو ثلثَي الاحتياطي العالمي من الكوبالت، يكسب معظم العمال أقل من الحد الأدنى للأجور، البالغ 4.5 يوروهات يومياً، فيما يعمل نحو 40 ألف طفل في هذه المناجم.
أما على مستوى سلسلة التوريد، فتأتي الصين في المقدمة، إذ تسيطر على 78% من تكرير الكوبالت و80% من تصنيع الخلايا، مستفيدةً من اتفاقات تُوصف بأنها غير منصفة مع كينشاسا.
كذلك تتذرع شركات تكنولوجيا كبرى، مثل آبل وغوغل وتسلا، بغموض سلاسل التوريد للتهرب من المساءلة، رغم امتلاكها الموارد الكافية للرقابة، فيما تغادر هذه الثروة الطبيعية الهائلة الكونغو من دون أن تعود بأي نفع يُذكر على سكانها.
غير أن أزمات الكونغو لا يمكن اختزالها بهذه الظروف فقط، إذ تمتد جذورها إلى بنى هشّة ومتراكمة، تشمل الاستعمار البلجيكي، وعقود الديكتاتورية، والحروب المتواصلة، والفساد المستشري، الذي يجعل هذا البلد بين أكثر خمس دول فقراً في العالم رغم ثرواته الطبيعية الهائلة.
لذلك، فإن إعلان حالة طوارئ بسبب إيبولا اليوم قد لا يغيّر الكثير في المشهد. ربما تُرسل فرق طبية إضافية، وتصدر بيانات جديدة، وتُضخ أموال طارئة لاحتواء التفشي، لكن الكونغو ستختفي مجدداً من واجهة الاهتمام العالمي، فيما تبقى ثلاثية الحرب والجوع والوباء، وتواصل المعادن رحلتها نحو الموانئ، ومنها إلى الدول الغنية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .
نبض