عرض يوم النصر في موسكو بلا دبابات وصواريخ... ماذا يكشف عن بوتين وحرب أوكرانيا؟
احتفالات يوم النصر في موسكو أظهرت قلقاً أمنياً متزايداً، بحيث غاب العرض التقليدي للدبابات والأسلحة الثقيلة لأول مرة وسط توتر الحرب في أوكرانيا.
وسط إجراءات أمنية مشددة، أحيت موسكو "يوم النصر" في عرض عسكري متواضع في الساحة الحمراء، غابت عنه الدبابات والأسلحة الثقيلة للمرة الأولى منذ سنوات. وفيما سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إظهار الثقة بفوزه بالحرب، عكس حجم الاحتفالات ونوعها حجم القلق الأمني والسخط الشعبي المتصاعد داخل روسيا.
وأعرب بوتين عن ثقته بتحقيق النصر في أوكرانيا، في خطابه خلال العرض العسكري في الساحة الحمراء احتفالاً بذكرى هزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.
وكانت الإجراءات الأمنية مشددة في موسكو أثناء حضوره وعدد من القادة الأجانب للعرض، على رغم أن وقف النار المعلن لثلاثة أيام بوساطة أميركية، قد خفف من المخاوف بشأن محاولات أوكرانية محتملة لتعطيل الاحتفالات.
احتفال أصغر من الأعوام السابقة
بوتين، الذي يتولى السلطة منذ أكثر من ربع قرن، استغل يوم النصر لإظهار القوة العسكرية للبلاد وحشد الدعم لعمله العسكري في أوكرانيا، الذي دخل الآن عامه الخامس.
فقد الاتحاد السوفياتي 27 مليون شخص في الحقبة 1941-1945 في ما يسميها الحرب الوطنية العظمى، وهي تضحية هائلة تركت ندبة عميقة في النفسية الوطنية ولا تزال نقطة توافق بالداخل الروسي.
ومنذ عام 2008، اعتادت روسيا تنظيم عروض عسكرية ضخمة في يوم النصر، تتضمن دبابات وصواريخ باليستية عابرة للقارات ومختلف أنواع الأسلحة الثقيلة. إلا أن العديد من العروض هذا العام جرى تقليصها أو إلغاؤها بالكامل لأسباب أمنية، في مؤشر على القلق المتزايد من احتمال تعرض الاحتفالات لهجمات أوكرانية.
ولأول مرة منذ قرابة عقدين، أقيم العرض العسكري في موسكو من دون دبابات أو صواريخ أو أسلحة ثقيلة أخرى، باستثناء التحليق التقليدي للطائرات المقاتلة.
وقال مسؤولون إن التغيير المفاجئ في شكل العرض يعود إلى "الوضع العملياتي الحالي"، وأشاروا إلى خطر الهجمات الأوكرانية.
أما الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي قال إن روسيا "تخشى أن تحلق مسيرات فوق الساحة الحمراء" في 9 أيار/مايو، فقد تابع تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإصدار مرسوم يسمح لروسيا بسخرية بإقامة احتفالات يوم النصر السبت، معلناً أن الساحة الحمراء محظورة موقتاً أمام الضربات الأوكرانية، ومؤكداً أن موافقة بلاده على هدنة لثلاثة أيام مع روسيا بوساطة أميركية سببها احتمال تحرير أسرى حرب أوكرانيين.

قيود على الإنترنت والاتصالات
إذاً، تكشف احتفالات روسيا بيوم النصر هذا العام عن مشهد مختلف عن الأعوام السابقة حيث طغت الحرب في أوكرانيا والهواجس الأمنية على العرض التقليدي. وعلى رغم سعي الكرملين إلى إظهار صورة القوة والثبات، بدت الاحتفالات أكثر تواضعاً، وسط قيود غير مسبوقة على الاتصالات والإنترنت في موسكو.
فقد فرضت السلطات الروسية قيوداً على خدمات الإنترنت والرسائل النصية في العاصمة، بحجة ضمان الأمن خلال الاحتفالات. كما تصاعدت الانتقادات الداخلية للرقابة الحكومية المتزايدة على الفضاء الإلكتروني.
وتتزامن هذه التطورات مع ضغوطٍ اقتصادية متزايدة نتيجة تكلفة الحرب، وارتفاع الأسعار والضرائب، فيما تظهر استطلاعات الرأي تنامي رغبة الروس بإنهاء الحرب.

ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه الجيش الروسي، الأكبر والأفضل تجهيزاً، تحقيق مكاسب بطيئة لكنها ثابتة على امتداد جبهة القتال التي تتجاوز ألف كيلومتر. في المقابل، كثفت أوكرانيا هجماتها البعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، مستهدفة منشآت الطاقة ومصافي النفط والمصانع والمستودعات العسكرية، عبر طائرات مسيّرة باتت قادرة على الوصول إلى عمق يزيد عن ألف كيلومتر داخل روسيا، وهو تطور يتجاوز بكثير قدراتها منذ 2022.
حجم القلق الروسي... كبير؟
ويقول أستاذ العلاقات الدولية الدكتور خالد العزي لـ"النهار" إن عرض يوم النصر يُعد جزءاً من "التراث القومي الروسي"، إذ تحرص موسكو سنوياً على تنظيم استعراض عسكري ضخم في الساحة الحمراء.
ويشير إلى أن موسكو سعت هذا العام إلى فرض هدنة موقتة لبضعة أيام بهدف ضمان إقامة الاحتفالات من دون اضطرابات، موضحاً أن روسيا احتاجت إلى دعم أميركي لإنجاح هذه الهدنة.
لكن، بحسب العزي، فإن تقليص أو إلغاء نحو 15 عرضاً عسكرياً في مدن روسية أخرى يعكس مخاوف حقيقية لدى موسكو من احتمال تعرض الاحتفالات لهجمات أوكرانية. ويوضح أن السلطات الروسية عززت الإجراءات الأمنية في العرض الرئيسي في الساحة الحمراء، واتخذت تدابير استثنائية لحماية بوتين، وسط تقارير تحدثت عن مخاوف من محاولات استهدافه.
ويرى أن تعطيل خدمات الإنترنت والاتصالات في موسكو يعكس حجم القلق الروسي من تطور القدرات الأوكرانية، خصوصاً مع قدرة الطائرات المسيّرة الأوكرانية على استهداف منشآت عسكرية ونفطية ومواقع لوجستية داخل العمق الروسي. ويضيف أن هذه الإجراءات تهدف أيضاً إلى منع أي عمليات تنسيق أو إرسال معلومات قد تساعد في توجيه هجمات خلال الاحتفالات.
ويعتبر أن روسيا أرادت الحفاظ على إقامة العرض العسكري، ولو بشكل رمزي، لأن إلغاءه بالكامل كان سيُفسَّر على أنه مؤشر ضعف وخوف.
فإذا كان عرض يوم النصر أُقيم وسط تعطيل الإنترنت وتشديد أمني واسع وتقليص للأسلحة الثقيلة، فهل لا يزال يعكس فعلاً صورة القوة العسكرية الروسية؟
نبض