الساحل الأفريقي بعد الانسحاب الأوروبي… هل تملأ روسيا الفراغ؟

العالم 30-04-2026 | 05:48

الساحل الأفريقي بعد الانسحاب الأوروبي… هل تملأ روسيا الفراغ؟

عندما دخلت روسيا إلى المنطقة، لم تقدّم حلولاً بقدر ما قدّمت نموذجاً مختلفاً.
الساحل الأفريقي بعد الانسحاب الأوروبي… هل تملأ روسيا الفراغ؟
جنود فرنسيون شاركوا في إحدى عمليات برخان بمدينة غاو المالية (رويترز - أرشيف)
Smaller Bigger

باعتبارها أقرب جيران أوروبا، تُعدّ أفريقيا أولوية جيوسياسية رئيسية للاتحاد الأوروبي، ولا سيما منطقة الساحل الأفريقي التي شكّلت خلال السنوات الماضية ساحة أساسية للحضور الأوروبي سياسياً وأمنياً. لكن بعد الانسحاب الأوروبي من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، يبرز سؤال محوري بشأن مستقبل هذا الدور: هل تملأ روسيا الفراغ؟

فبعد سنوات من التدخلات العسكرية والديبلوماسية التي قادتها فرنسا بدعم أوروبي، تبدّل المشهد جذرياً، مع تصاعد الخطاب المعادي لباريس، وتقدّم موسكو بخيارات مختلفة في المنطقة. وبين هذا التحوّل وتداعياته، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار إعادة صياغة استراتيجيتها في الساحل.

 

من التدخل العسكري إلى الانسحاب الكامل

 

لفهم هذا التحوّل، لا بد من العودة إلى لحظة الانخراط الأوروبي الأولى. ففي عام 2013، دخلت الطائرات الفرنسية أجواء مالي لوقف تقدّم المسلحين نحو باماكو. كانت عملية "سيرفال" سريعة، وبدت ناجحة، وأوحت بأن الغرب يعرف كيف يتعامل مع فوضى هذه المنطقة المضطربة.

لكن بعد سنوات قليلة، تحوّلت "سيرفال" إلى "برخان" الإقليمية الكبرى، وانضمّت إليها فرقة "تاكوبا" الأوروبية، وتدفق المال والمستشارون والعتاد، في محاولة لترسيخ حضور طويل الأمد.

ورغم ذلك، وفي غضون سنوات، خرجت فرنسا من مالي مطرودة، ثم من بوركينا فاسو، وأخيراً من النيجر. ولم يكن الخروج عسكرياً فقط، بل شمل الفكرة بأكملها.

واليوم، لا يوجد جندي فرنسي واحد في هذه الدول الثلاث، ولا توجد كذلك أي استراتيجية أوروبية واضحة لما يجب فعله بعد ذلك.

 

تشخيص خاطئ لطبيعة الأزمة

 

في الواقع، بدأ الانسحاب الأوروبي من الساحل قبل انسحاب الجنود بسنوات، حين أصرّت أوروبا على تشخيص قاصر لطبيعة الأزمة في المنطقة. فقد ركّز التدخل الأوروبي على مواجهة الجماعات المسلحة، متجاهلاً الأسباب البنيوية التي أدّت إلى نشوئها.

أبرز هذه الأسباب الفقر الهيكلي، الذي جعل الشاب في مناطق مثل تيلابيري في النيجر أو ليبتاكو في بوركينا فاسو يرى في الجماعات المسلحة مصدر دخل لا يوفّره الجيش الوطني، إلى جانب صراعات قديمة بين الرعاة والمزارعين تفاقمت مع تغيّر المناخ.

كذلك، أدّى الغضب المتأصّل ضد فرنسا دوراً أساسياً، نتيجة دعم باريس التاريخي لأنظمة بعيدة عن الديموقراطية، ما أسهم في تغذية خطاب معادٍ لها، مهّد لاحقاً لصعود النفوذ الروسي.

وعندما وضع الاتحاد الأوروبي استراتيجيته المتكاملة للساحل عام 2021، بدت الوثيقة مكتملة نظرياً، لكنها بقيت بعيدة عن الواقع الميداني.

 

ازدواجية المعايير وتقويض الصدقية

 

في النيجر، تحوّلت بعض البعثات الأوروبية المخصّصة لبناء قدرات الشرطة والحوكمة إلى مورد اقتصادي للنخب المحلية. وعمل عدد من المسؤولين الأوروبيين بأجندات مستقلة، فيما انصبّت الأولوية الفعلية على ضبط الهجرة أكثر من دعم التنمية.

وفي تشاد، كما في عدد من الدول الناطقة بالفرنسية، استمرت القوانين ذات الطابع الفرنسي من دون تطبيق فعلي، وسط قرارات اتسمت بازدواجية واضحة من جانب باريس.

وتقول المحامية التشادية دلفين جيرايبي إن "الاستعمار ربما غيّر شكله، لكن البلاد ظلت تحت هيمنة فرنسا حتى وقت قريب". وتشير إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أشاد بـ"استقرار" إدريس ديبي عام 2021، قبل أن يتولى ابنه الحكم من دون انتخابات.

هذه الازدواجية، بين رفض بعض الانقلابات وقبول أخرى، وفّرت أرضية شعبية لخطاب مناهضة فرنسا، وأسهمت في فتح الباب أمام النفوذ الروسي.

 

جنود من فاغنر في أفريقيا. (اكس)
جنود من فاغنر في أفريقيا. (اكس)

 

روسيا تملأ الفراغ… لكن من دون حلول

 

عندما دخلت روسيا إلى المنطقة، لم تقدّم حلولاً بقدر ما قدّمت نموذجاً مختلفاً. فمن خلال "فاغنر"، عرضت موسكو دعماً غير مشروط للأنظمة العسكرية في باماكو وواغادوغو ونيامي، بعيداً عن خطاب الإصلاح والديموقراطية الذي تبنّته أوروبا.

وفي ظلّ التحوّلات الجيوسياسية والتحدّيات الأمنية المتزايدة، بات مستقبل الساحل مصدر قلق متصاعد، خصوصاً مع خروج دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو من "إيكواس"، وتشكيل تحالف إقليمي جديد، إلى جانب تصاعد الخطاب المعادي لفرنسا.

ورغم تراجع الحضور الأوروبي، دعا الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد مقاربة جديدة، وبدأ محاولات إعادة الانخراط من نقطة الصفر. ففي كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2026، جال المبعوث الأوروبي جواو كرافينيو على عواصم دول الساحل. وسبق ذلك تحرك إيطالي في آذار/مارس 2024، في محاولة لكسر العزلة، تحت عنوان "نهج متجدد" قائم على الحوار.

إلا أن الجمود لا يزال مسيطراً، مع استمرار التعقيدات البيروقراطية، وغياب شركاء موثوقين على الأرض، ورفض الحكومات العسكرية لأيّ تعاون مشروط.

 

ما بعد الفشل… أيّ مقاربة أوروبية جديدة؟

 

المفارقة أن استمرار غياب أوروبا عن الساحل قد يؤدّي إلى تفاقم موجات الهجرة التي تسعى إلى احتوائها، فيما العودة بالمنطق السابق نفسه ستعيد إنتاج الفشل.

أما الوجود الروسي، فرغم ملئه الفراغ، لم ينجح في خفض مستوى العنف، الذي ازداد انتشاراً مقارنة بالسنوات السابقة.

ما تحتاج إليه المنطقة، وفق خلاصات محلية، ليس مزيداً من المقاربات الأمنية، بل استثمارات في الزراعة، وفرص عمل للشباب، وتعزيز المؤسسات المحلية لإدارة النزاعات.

في النهاية، إذا أراد الاتحاد الأوروبي استعادة دوره، فعليه الإقرار بأن نهجه الحالي لم يحقق النتائج المرجوّة، وأن الاستقرار لا يمكن بناؤه عبر التمويل والتدريب فقط.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/28/2026 10:25:00 PM
من المتوقع أن يصدر قرار التعيين عن جلسة مجلس الوزراء الخميس...
لبنان 4/29/2026 10:51:00 AM
اكتشاف مغارةٍ جديدة والكشف عن طبيعتها ومعالمها في خراج بلدة تاشع أعالي محافظة عكار