الصّراعات المُجَمَّدة حول العالم… ما أبرز الحروب التي توقّفت ولم تنتهِ؟
بيروت - ليلى تابت
تشهد مناطق عدة حول العالم تصاعد ظاهرة الصراعات المُجَمَّدة، حيث تتوقف الحروب من دون أن تنتهي فعلياً. ففيما تواجه النزاعات السياسية والعسكرية تقليدياً ثلاثة مسارات للحسم، سواء عبر القنوات الديبلوماسية، أو تحت ضغط الانهيار الاقتصادي والاحتجاجات، أو من خلال انتصار عسكري حاسم، لم يعد هذا المنطق ينطبق على معظم نزاعات العصر الحديث.
بدلاً من ذلك، تتوقف الحروب عند مرحلة وسطى تُعرف بـ"تجميد الصراع"، من خلال اتفاقيات وقف إطلاق النار أو تفاهمات موقتة، من دون الوصول إلى تسوية سياسية نهائية. وبهذا، تدخل النزاعات في حالة "لا حرب ولا سلام"، إذ يبقى الصراع قائماً وقابلاً للاشتعال في أي لحظة.
يُعزى هذا التجميد إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها ما يُعرف بـ"توازن الضعف"، إذ تعجز الأطراف المتنازعة عن تحقيق نصر عسكري حاسم، فتتجه إلى التهدئة ووقف إطلاق النار لتقليل الخسائر من دون إنهاء النزاع.
كذلك، يلعب التدخل الخارجي دوراً محورياً في إبقاء هذه النزاعات قائمة، إذ تسعى قوى دولية وإقليمية إلى ضبط الصراع ضمن حدود محددة بما يخدم مصالحها، بدل الدفع نحو تسوية سياسية نهائية. ويُضاف إلى ذلك غياب الثقة بين الأطراف وانعدام الإرادة السياسية للحل، ما يجعل الوصول إلى اتفاق شامل أمراً معقّداً.
وفي كثير من الحالات، تتحول فترات الهدنة إلى فرصة لإعادة التسلح وتعزيز القدرات العسكرية، ما يجعل وقف إطلاق النار مرحلة انتقالية لا أكثر، تمهّد لجولات جديدة من القتال. وهنا تكمن خطورة هذه الصراعات، إذ تفرض واقعاً دائماً من عدم الاستقرار، وتؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية، مع إعادة إنتاج العنف دورياً بدل الانتقال إلى سلام مستدام.
نماذج الصراعات المجمّدة حول العالم
تتعدّد نماذج الصراعات المجمّدة حول العالم، وتشترك جميعها في غياب الحسم النهائي رغم توقف القتال المباشر، ما يُبقيها ضمن حالة "اللا حرب واللا سلام".
• الصحراء الغربية: استعمار لم يُحسم ونزاع مفتوح
تُعدّ قضية الصحراء الغربية أحد أطول النزاعات المجمّدة في العالم، إذ تمثّل نموذجاً كلاسيكياً لتعثّر إنهاء الاستعمار وتحوله إلى صراع إقليمي ودولي. تعود جذور الأزمة إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين أقر مؤتمر برلين بسيادة إسبانيا على الإقليم في سياق التنافس الأوروبي على أفريقيا. ومع تصاعد حركات التحرر في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، وتعزز المطالب بإنهاء الاستعمار، شكّلت انتفاضة "الزملة" عام 1970 نقطة تحوّل نحو تنظيم العمل السياسي.
في هذا السياق، تأسست جبهة البوليساريو عام 1973، وبدأت الكفاح المسلح ضد إسبانيا التي قررت لاحقاً الانسحاب عبر "اتفاقية مدريد" عام 1975، ناقلةً إدارة الإقليم إلى المغرب وموريتانيا، ومتجاهلةً مطلب تقرير المصير. ردّ المغرب بإطلاق "المسيرة الخضراء" في العام نفسه، بينما أعلنت البوليساريو عام 1976 قيام "الجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية" بدعم جزائري، ما أدى إلى اندلاع حرب ثلاثية انتهت بانسحاب موريتانيا عام 1979.
استمرت الحرب 13 عاماً، قبل أن يبني المغرب جداراً رملياً في الثمانينيات مكّنه من السيطرة على نحو 80% من الإقليم. وفي عام 1991، تم التوصل إلى وقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة، مع إنشاء بعثة "المينورسو" لتنظيم استفتاء تقرير المصير، إلا أن الخلاف حيال لوائح الناخبين عطّل العملية. ومنذ ذلك الحين، فشلت جميع المبادرات، وعاد التوتر عام 2020 مع أحداث معبر الكركرات، ما أعاد تأكيد هشاشة الوضع واستمراره كصراع مجمّد.
• جامو وكشمير: إرث التقسيم وصراع القوى النووية
يُعدّ صراع جامو وكشمير من أخطر الصراعات المجمّدة، نظراً لتداخله مع توازنات نووية بين الهند وباكستان والصين. تعود جذوره إلى عام 1947 مع تقسيم الهند، حين تردد المهراجا هاري سينغ في تحديد مصير الإقليم، ما أفسح المجال لتمرد مدعوم من باكستان. طلب الحاكم دعم الهند ووقّع وثيقة الانضمام، لتندلع أول حرب (1947-1948) انتهت بتقسيم الإقليم عام 1949.
شهدت المنطقة ثلاث حروب رئيسية حتى عام 1971، إضافة إلى مواجهة كارجيل عام 1999. ومنذ التسعينيات، تصاعد التمرد المسلح داخل الإقليم، ما أدى إلى سقوط عشرات آلاف الضحايا. وتتهم الهند باكستان بدعم جماعات مسلحة، فيما تؤكد الأخيرة دعمها لحق تقرير المصير. ورغم استمرار التصعيد حتى عام 2025، حال الردع النووي دون اندلاع حرب شاملة، ليبقى النزاع في حالة "لا حرب ولا سلام".
• الصين وتايوان: صراع السيادة والغموض الإستراتيجي
يعود الصراع بين الصين وتايوان إلى عام 1949، حين انتصر الحزب الشيوعي الصيني وأُعلنت "جمهورية الصين الشعبية"، فيما انسحب القوميون إلى تايوان. ومع الحرب الباردة، أصبحت تايوان حليفاً للولايات المتحدة، بينما حصلت بكين على الاعتراف الدولي عام 1971.
تعتمد واشنطن سياسة "الغموض الاستراتيجي"، ما يسمح لها بدعم تايوان دون الاعتراف باستقلالها. تصاعد التوتر مع قانون صيني عام 2005 يجيز استخدام القوة في حال إعلان الاستقلال، وبلغ ذروته عام 2022 بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي (آنذاك) نانسي بيلوسي التي ردّت عليها الصين بمناورات عسكرية واسعة. اليوم، يُدار النزاع عبر "الضغط الرمادي"، من خلال مناورات واختراقات جوية، مقابل دعم عسكري أميركي متزايد لتايوان، ما يخلق توازن ردع هش.

• صراعات ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي
- أرمينيا وأذربيجان: "كارباخ " بين الحرب والهدنة
بدأ النزاع بسبب سياسات الحقبة السوفياتية التي وضعت إقليم كارباخ الأرمني ضمن أذربيجان. اندلعت الحرب عام 1988، وانتهت عام 1994 بسيطرة أرمينيا على الإقليم. في عام 2020، استعادت أذربيجان معظم الأراضي بدعم تركي، وفي 2023 فرضت سيادتها الكاملة. رغم توقف القتال، يبقى الصراع هشاً بسبب غياب تسوية سياسية شاملة واستمرار التنافس الإقليمي.
- أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية: الرهان على الاستقلال المشروط
بعد حروب التسعينيات، دعمت روسيا الانفصاليين، وفي عام 2008 اعترفت باستقلال الإقليمين بعد حرب مع جورجيا. تعيش هذه المناطق اليوم حالة "استقلال غير معترف به" دولياً، وتعتمد كلياً على موسكو، ما يجعلها جزءاً من صراع النفوذ بين روسيا والغرب.
• الصراع الكوري: هدنة منذ سبعة عقود
انقسمت كوريا بعد الحرب العالمية الثانية إلى شمال شيوعي وجنوب مدعوم أميركياً. اندلعت الحرب الكورية (1950-1953) وانتهت بهدنة دون معاهدة سلام، مع إنشاء منطقة منزوعة السلاح. ورغم محاولات التقارب، لا يزال التوتر قائماً بفعل البرنامج النووي الكوري الشمالي، ما يجعل الصراع نموذجاً مستمراً للردع النووي والتوتر المزمن.
• مصر وإثيوبيا: نزاع المياه والقانون الدولي
يتعلق النزاع بسد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق. ترفض أديس أبابا الالتزام بالاتفاقيات التاريخية، فيما تخشى مصر على أمنها المائي. ورغم أكثر من 12 عاماً من المفاوضات، لم يتم التوصل إلى اتفاق ملزم، بل تصاعدت اللغة الديبلوماسية مؤخراً لتشمل تحذيرات مصرية من خطورة الإجراءات الأحادية، مع وجود خيارات ديبلوماسية وقانونية تلوح في الأفق. رغم المفاوضات المستمرة، لم يتم التوصل إلى اتفاق ملزم، وسط مخاوف مصرية من تهديد أمنها المائي، ما يجعل النزاع مجمّداً لكنه قابل للتصعيد..
• إثيوبيا وتيغراي: حرب داخلية مؤجّلة
اندلع النزاع عام 2020 بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي، وتخللته هدن متعددة. ورغم توقيع اتفاق بريتوريا عام 2022، لا تزال جذور الصراع قائمة، ما يجعل احتمال تجدده قائماً في ظل غياب حلول جذرية.
اللاعبون الدوليون ومصالح "اللا حرب واللا سلام"
تكشف الصراعات المجمّدة عن شبكة معقدة من المصالح الدولية، إذ لا يمتلك أي طرف القدرة على الحسم، فتستفيد القوى الكبرى من إبقاء النزاعات دون حل، واستخدامها كورقة ضغط في ملفات أخرى. تتحول الهدن إلى أدوات لإدارة الصراع بدل إنهائه، كما يظهر في تجارب مثل السودان، حيث فشلت اتفاقات التهدئة في تحقيق سلام دائم، وتحولت إلى فترات لإعادة التسلح وتوسيع رقعة القتال.
تستفيد قوى دولية وإقليمية من هذا "التجميد المُدار"، إذ تستخدم النزاعات لتعزيز نفوذها الجيوسياسي. فالولايات المتحدة وروسيا توظفان هذه الساحات ضمن صراعات النفوذ العالمية، بينما تسعى إيران وتركيا إلى توسيع أدوارهما الإقليمية. كما ترتبط بعض النزاعات بمصالح اقتصادية حيوية، مثل طرق التجارة وموارد الطاقة، فيما تميل قوى أوروبية إلى احتواء النزاعات بدل حلها خشية الإخلال بالتوازنات.
تدفع الشعوب الثمن الأكبر، إذ تعيش في حالة عدم استقرار دائم وتُحرم من التنمية. وبينما تبدو الهدنة خياراً لتقليل الخسائر، فإنها غالباً ما تكون استراحة موقتة في مسار صراع طويل لم تُحل جذوره. وهكذا، لا تكون الصراعات المجمّدة قدراً محتوماً، بل نتاج إرادات سياسية دولية تفضّل إدارة الأزمات بدل حلّها، ما يُبقي العالم في حالة سلم هش يخفي تحته نزاعات قابلة للاشتعال في أي لحظة.
نبض