التصعيد ضد إيران يكشف هشاشة التحالفات الدولية: الصين وروسيا تراقبان وأوروبا عاجزة
في خضمّ التصعيد الأميركي-الإسرائيلي ضد إيران، تتكشّف حدود أدوار القوى الدولية التي تشاهد الأحداث. بين براغماتية الصين، وعجز روسيا، وتردّد الاتحاد الأوروبي، يبرز مشهد دولي مضطرب يعكس تحوّلات موازين القوة وحدود التحالفات في زمن الأزمات.
رغم ثقلها في إيران، تتعامل الصين مع الحرب ببراغماتيةٍ حذِرة، مفضّلةً الحياد والتوازن الإقليمي على الانخراط السياسي أو العسكري المباشر. ولم تبد سوى القليل من الدعم لها، باستثناء تنديدها بالهجمات.
تتجاوز الأسباب ذلك إلى ما هو أبعد من ضبط النفس العسكري. فالعلاقة بين الصين وإيران أكثر تفاوتاً وأقل استراتيجية مما يُفترض عادةً. فبكين لم تلتزم بشكل جدي بالعقود الاستثمارية الرئيسية الموقعة مع طهران، وعلاقاتهما العسكرية محدودة، وتعتمد استراتيجية الصين الأوسع نطاقاً في الشرق الأوسط على تحقيق التوازن في العلاقات مع منافسي إيران الإقليميين. ومع اقتراب قمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ بعد أسابيع، فإن بكين لديها كل الحوافز للوقوف على الحياد بدلاً من المشاركة النشطة في الصراع.
تستفيد الصين من عضوية إيران في تجمعاتٍ تقودها مثل "بريكس" ومنظمة شنغهاي لتعزيز خطابها كقوةٍ تمثل "الجنوب العالمي" وتحدّ من النفوذ الأميركي. كما عززت وساطة بكين في التقارب الإيراني–السعودي عام 2023 صورتها الديبلوماسية.
اقتصادياً، تُعدّ الصين الشريك التجاري الأكبر لإيران، لكن العلاقة غير متكافئة: تستوعب بكين نحو ثلث تجارة إيران، فيما لا تمثل إيران سوى أقل من 1% من تجارة الصين. يشكل النفط الإيراني المخفّض جزءاً مهماً من واردات الصين، لكنه قابل للاستبدال. أما الاستثمارات الصينية فبقيت محدودة مقارنةً بتعهداتٍ مُعلنةٍ كبيرةٍ لم يتحقق منها سوى القليل، وهو ما أثار استياءً إيرانياً متكرراً، خصوصاً بالمقارنة مع استثمارات الصين الأكبر في السعودية والإمارات، بحسب وكالة "بلومبرغ".
عسكرياً، تتجنب بكين دعماً مباشراً لإيران، مكتفيةً بتوريد موادٍ "مزدوجة الاستخدام" تتيح لها هامش إنكارٍ، بخلاف علاقتها الأوثق مع روسيا. تواصل الصين إذن سياسة التوازن الدقيق: دعم ديبلوماسي وتجاري محسوب لطهران، مع الحفاظ على علاقات قوية مع خصومها الإقليميين، وحرصٍ دائمٍ على عدم تجاوز الخطوط التي قد تستجلب تكلفةً دوليةً أعلى.
ومع ذلك، فإن الحرب ضد إيران توفر بعض النقاط المضيئة لصانعي السياسة الصينيين. فالولايات المتحدة تستنزف قدراتها العسكرية بينما تستنفد مخزونها من الذخائر، ولا سيما منها أنواع الأسلحة التي قد تستخدم في أي نوع من الصراع مع الصين حيال تايوان، بحسب "وول ستريت جورنال". ويوفر أيضاً الهجوم للجيش الصيني لمحة عن أحدث معدات الجيش الأميركي وتكتيكاته.

وترى بكين في انشغال واشنطن عسكرياً بالمنطقة فرصة غير مباشرة لتحويل تركيزها ومواردها بعيداً عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بحسب شبكة "سي ان ان". وتستخدم الصين هذه التطورات لتعزيز خطابها كقوةٍ تدعو إلى عدم التدخل، حتى وإن كان ذلك على حساب صورتها كشريكٍ موثوقٍ في أوقات الأزمات.
أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حليف إيران الوثيق أيضاً، فلم يعبّر إلا كلامياً عن تضامنه. وتعكس محدودية ردّ فعل روسيا على الضربات الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران طبيعة علاقة لا ترقى إلى تحالف عسكريّ ملزم. فعلى رغم الشراكة السياسية والتنسيق في ملفات إقليمية، تفتقر العلاقات بين موسكو وطهران إلى التزامات دفاع مشترك تفرض تدخّلاً مباشراً عند تعرّض أحد الطرفين لهجوم. يضاف إلى ذلك انشغال روسيا العميق بحربها في أوكرانيا، ما يقيّد قدرتها العسكرية ويحدّ من استعدادها لفتح جبهة مواجهة جديدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. كما تحرص موسكو على الحفاظ على هامش ديبلوماسي يتيح لها تجنّب تصعيد قد يفاقم عزلتها الدولية أو يضرّ بمصالحها الاستراتيجية الأوسع. في هذا السياق، تكتفي روسيا بالدعم السياسي والخطابي، مستفيدةً في المقابل من تداعياتٍ غير مباشرةٍ للأزمة، مثل تقلبات أسواق الطاقة أو تعزيز موقعها كطرفٍ قادرٍ على لعب دور الوسيط، من دون تحمّل تكلفة تدخلٍ عسكريّ مباشرٍ دفاعاً عن طهران، بحسب "الموند".
على الهامش
أوروبياً، تسلّط الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران الضوء على موقع الحلفاء الأوروبيين الهامشي في قرارات الحرب التي يقودها ترامب، بعدما جرى استبعادهم كلياً من التخطيط لصراعٍ يطاول أمنهم مباشرةً، بحسب "نيويورك تايمز". وجاءت ردود الفعل الأوروبية متباينة ومربكة، بين تأييد حذر، وانتقادات صريحة، ودعوات خجولة للعودة إلى الديبلوماسية، ما يعكس صعوبة التكيّف مع إدارة أميركية تتجاهل قواعد النظام الدولي التقليدي.
في ألمانيا، أبدى المستشار فريدريش ميرز تفهماً لنهج ترامب، معتبراً أنه ينفّذ ما تعجز أوروبا عن القيام به. في المقابل، رفض رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الضربات بوصفها عملاً أحادياً مزعزعاً للاستقرار، فيما حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إبقاء التركيز الأوروبي منصباً على الحرب في أوكرانيا. هذا التباين يعكس مأزقاً أعمق: أوروبا تدّعي الدفاع عن النظام الليبرالي، لكنها تبدو عاجزة عن توحيد موقفها حيال غزة وإيران.
يشير ديبلوماسيون سابقون إلى أن "أميركا أولاً" في عهد ترامب تعني عملياً "أميركا وحدها"، مع قرارات عسكرية تُتخذ من دون تشاور أو غطاء دوليّ، بخلاف نماذج سابقة من التنسيق عبر الأطلسي. ورغم تأكيد الأوروبيين أنهم لم يشاركوا في الضربات، فإن كثيرين منهم يتشاركون هدف منع إيران من امتلاك سلاح نوويّ وتقليص قدراتها الصاروخية.
تكشف الأزمة نظاماً دولياً متصدعاً، بحيث تحكم المصالح الضيّقة السلوك، وتتراجع التحالفات أمام حسابات القوة والحياد الإقليمية الراهنة.
نبض