جولة إيرانية - أميركية جديدة... خيار ثالث بين الاتفاق والحرب؟
تواصلت المفاوضات الأميركية – الإيرانية في جنيف، الثلاثاء، بعد جولة أولى في مسقط كانت مخصّصة لوضع أطر تفاوضية أكثر مما كانت منتجة على مستوى القضايا الأساسية بين الجانبين، تبعها لقاء عاجل بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وعُقدت الجولة التفاوضية الثانية في ظل تصعيد سياسي وعسكري خطير جداً يصعّب عملياً عودة كلا الطرفين عن شروطهما وتهديداتهما. فحاملات طائرات جديدة (جيرالد فورد) في طريقها إلى الشرق الأوسط، لتستقر على مقربة من إيران، في حين خرج المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ليهددها قائلاً إن "هذه السفن خطيرة، لكن السلاح الذي سيغرقها أخطر".
ويقول مصدر ديبلوماسي أوروبي، لـ"النهار"، إن "الولايات المتحدة تتحرّك دون أفق واضح، فحرب الـ12 يوماً أثبتت أنها غير قادرة على جر إيران نحو مفاوضات أكثر مرونة وبشروط أكثر صعوبة، وإسقاط النظام الإيراني ليس حلاً كون البديل غير موجود، وأي حرب واسعة أو عمليات محدودة سيكون لها تداعياتها على الاقتصاد العالمي وأسواق النفط".
ويتحدّث المصدر عن إيران، والشروط الأميركية والإسرائيلية المرتبطة بالبرنامجين النووي والصاروخي ودعم الفصائل، ويشير إلى أن طهران "قد تبدي مرونة تجاه خفض إمدادها لمجموعاتها، خصوصاً حزب الله بعدما فقد الكثير من قدراته وقطعت الطريق المباشر عبر سوريا، وفقد قدرات الردع التي سبق أن تحدّث عنها، فما عاد خط الدفاع الأول عن إيران".

إيران قد تبدي مرونة في ما يتعلّق بالملف النووي، لكن المصدر يستبعد أن تقدّم تنازلات مرتبطة بالبرنامج الصاروخي، كونه الوسيلة الدفاعية الأساسية لإيران في ظل التهديدات المتواصلة من إسرائيل. ولا يستبعد المصدر فرضيّة "تحمّل إيران ضربة عسكرية جديدة بدل الموافقة على اتفاق بشروط إسرائيلية يقوّض قدراتها إلى أقصى الحدود".
خيار ثالث
التصعيد العسكري - السياسي يدفع بالسؤال عن احتمال إعادة الحشود دون نتائج فعلية. المصدر يقول إن "الولايات المتحدة لن تسحب قطعها العسكرية دون اتفاق، لأن ذلك سيضر بصورة فائض القوة الأميركي الذي تلجأ إليه خلال المفاوضات، وبالتالي عدم التوصّل لتفاهم قد يدفع نحو عمليات عسكرية".
لكن رغم هذه الأجواء المشحونة، خرج وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من جولة جنيف بأجواء متفائلة، إذ قال إنها أسفرت عن "مجموعة مبادئ توجيهية" من شأنها التمهيد لاتفاق.
وأضاف عراقجي للتلفزيون الإيراني الرسمي عقب المحادثات: "في نهاية المطاف، تمكنا من التوصل إلى اتفاق عام بشأن مجموعة من المبادئ التوجيهية، سنعتمد عليها في المضي قدما والبدء بالعمل على نص اتفاق محتمل". ووصف الجولة بأنها كانت "بناءة أكثر" من سابقتها التي عقدت في مسقط.
وكشف عراقجي عن "اتفاق على أن يواصل الطرفان العمل على مسودات نصوص لاتفاق محتمل، وبعد ذلك سيتم تبادل المسودات وتحديد موعد لجولة ثالثة".
وربما يكون كلام عراقجي مرتبطاً بمسار آخر، سبق أن تحدثت عنه الخبيرة في القانون الدولي والتفاوض في جامعة رايخمان دانا وولف في أحد مقالاتها حين سألت عن "خيار ثالث، غير الخيارين المطروحين، أي الاتفاق التام أو الحرب. وأشارت وولف إلى احتمال العمل على خيار يُمهّد له الآن في الخفاء: اتفاق تكتيكي يسمح لجميع الأطراف بالتراجع دون إعلان الاستسلام؟
على عكس الاتفاق الاستراتيجي الذي يهدف إلى حل النزاع من جذوره، يتصوّر المسار الثالث ترتيباً تكتيكياً، أي آلية لإدارة المخاطر تقوم على مبدأ "الهدوء مقابل الدعم"، وهو ما قد يشكّل حلاً عملياً لإدارة الوضع بين واشنطن وطهران، وفق وولف.
وتشرح الخبيرة في الشأن التفاوضي حيثيات المسار الثالث، فتقول إن هذا النوع من الاتفاقات سيعني "تخلّي إيران عن بعض الأصول التكتيكية"، مثل مستوى معين من تخصيب اليورانيوم أو كبح جماح فصائلها الإقليميين، مقابل متنفس اقتصادي بالغ الأهمية يتمثل في التراجع عن بعض العقوبات وتجميد الأموال.
بالنسبة للولايات المتحدة، سيعني ذلك فترة من الهدوء النسبي، ما يسمح لترامب بالوفاء بتعهده بتجنب التورط العسكري المكلف والمطول، لكن عوائق المسار الثالث تكمن في إسرائيل، التي تخشى اتفاقاً جزئياً يبقى إيران خطراً موجوداً، وهذا يعكس نمطاً مألوفاً: إدارة الصراع بدلاً من حسمه.
وبالتالي، فإن الواقع بين الولايات المتحدة وإيران معلقاً بين الاتفاق والحرب، وفي مخرج محدّد، قد يكون المسار الثالث وسيلة لتخفيض التصعيد وتفادي سيناريوات مدمرة وقاسية. لكن تبقى إسرائيل عائقاً أساسياً في هذا المسار، ورحلة نتنياهو إلى الولايات المتحدة قد تكون تمحورت حول رفض التوصّل إلى اتفاقات جزئية لا تحميها من الخطر الإيراني.
نبض