الحرب الأميركيّة - الإيرانيّة من منظار آخر: تكلفة باهظة على ترامب
جدال يدور على المستوى الدولي حول وجوب تنفيذ الولايات المتحدة عملية ضد إيران من عدمه. وجهتا نظر في هذا السياق، الأولى تقول إن الحرب ضد إيران ستجعل الأخيرة أضعف، ما سيدفعها لعقد اتفاقات مع الغرب يكون لها نتائج إيجابية على أسواق النفط وسلاسل الإمداد، وتداعيات أخرى لجهة خفض التصعيد في الشرق الأوسط والتوجه نحو مرحلة أكثر استقراراً.
لكن على المقلب الآخر، فإن وجهة نظر ثانية تتقدّم في الجدال أيضاً، خصوصاً في الداخل الأميركي. الرأي الآخر يقول إن أي حرب ستكون كلفتها عالية على الاقتصاد العالمي والأميركي لجهة تضرر أسواق النفط وسلاسل الإمداد، وأي عملية عسكرية أميركية وإسرائيلية ستدفع بالمنطقة نحو حرب واسعة إذا قرّرت الفصائل الموالية لإيران التدخّل.
في هذا السياق، نشر موقع "The Conversation" مقالة بعنوان "لماذا سيكون خطأً فادحاً أن تدخل الولايات المتحدة في حرب مع إيران؟"، تحدّث فيه الكاتب بامو نوري، وهو باحث فخري في قسم السياسة الدولية، في جامعة لندن، عن الكلفة الباهطة التي قد تدفعها الولايات المتحدة إذا قرّرت شن هجوم عسكري ضد إيران، ويستذكر تجارب من الماضي.
ضرب سردية ترامب
يعود الكاتب إلى سردية الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي قامت على إنهاء الحروب، فيقول إن جاذبية ترامب الانتخابية، في عامي 2016 و2024، استندت استناداً كبيراً إلى وعد بإنهاء "حروب أميركا الأبدية" وتجنب التدخلات الخارجية المكلفة، لكن أي صراع شامل مع إيران سيكون، على الأرجح، طويل الأمد وسيجرّ معه دولاً أخرى في المنطقة.
العودة إلى منطق الحروب الكبيرة في العالم سيضر بشعبية الرئيس الأميركي الحالية الآخذة بالتراجع وفق آخر الدراسات التي نشرتها شبكة "سي إن إن"، خصوصاً أن الحرب مع إيران "ستتناقض مع المنطق الأساسي لخطابه" في السياسة الخارجية، وفق ما يقول كاتب المقالة.
ويضاف إلى ذلك واقع آخر. تعتمد اتفاقيات أبراهام على الاستقرار الإقليمي والتعاون الاقتصادي والاستثمار. ومن شأن الحرب مع إيران أن تُهدد كل هذه الأمور. على الرغم من تنافسها مع إيران، أولت دول الخليج، كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، أولويةً لخفض التصعيد الإقليمي.
تكاليف عسكرية
الكلفة العسكرية أيضاً مطروحة. بعد حرب الـ12 يوماً الأخيرة، ردّت إيران رمزياً على قاعدة العديد في قطر، كرد على الضربات الأميركية في اليوم الأخير، ولم تكن الضربات مؤثرة. لكن لا بد من الإشارة إلى أن لإيران قدرات صاروخية مؤثّرة ظهرت نتائجها مع قصف إيران للداخل الإسرائيلي والدمار الذي خلّفه هذا القصف، بظل تقارير تتحدث عن استخدام صواريخ متقدّمة.
ووفق المقالة المذكورة، استثمرت إيران في الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز، ودعم الفصائل الموالية لها، وعمليات إلكترونية، والأسلحة المتطورة، بما في ذلك الدفاعات الجوية، والألغام البحرية، والزوارق الهجومية السريعة، والطائرات المسيّرة، وقدرات الحرب الإلكترونية، وأي جهة تهاجم إيران قد تواجه تكاليف باهظة، خصوصاً إذا ما كان الهجوم يشكل خطراً وجودياً.
ولا تصب المقارنة بين إيران من جهة، والعراق وأفغانستان من جهة أخرى، في مصلحة الولايات المتحدة، ووفق كاتب المقالة، فإن هذه المقارنات "مضلّلة"، فإيران أكبر حجماً، وأكثر اكتظاظاً بالسكان، وأكثر تماسكاً داخلياً، وأكثر استعداداً عسكرياً لمواجهة طويلة الأمد، وهي مستعدّة لتحمل الخسائر، وقادرة على إلحاقها في جبهات متعددة، بما في ذلك العراق والخليج واليمن وغيرها.
تكلفة اقتصادية
تقدم الحربان في العراق وأفغانستان "عبرة تحذيرية"، حسب نوري، إذ تُقدر تكلفتهما مجتمعتين على الولايات المتحدة بما بين 6 و8 تريليونات دولار أميركي، عند احتساب تكاليف رعاية المحاربين القدامى على المدى الطويل، والفوائد، وإعادة الإعمار. امتدت هذه الصراعات لعقود، وتجاوزت التوقعات الأولية للتكاليف، وساهمت في تضخم الدين العام.
ومن شبه المؤكد أن حرباً مع إيران - الأكبر حجماً والأكثر قدرة والأكثر نفوذاً إقليمياً - ستسلك مساراً مماثلاً، إن لم يكن أكثر تكلفة، حسب المقالة. واللافت أن الكاتب يشير إلى مقارفة مهمة، وبينما ركزت الولايات المتحدة على عمليات "مكافحة التمرد وتحقيق الاستقرار"، استثمرت قوى أخرى، ولا سيما الصين والهند، في البنية التحتية والتكنولوجيا والنمو الاقتصادي الطويل الأجل.
وتزداد هذه الديناميكية وضوحاً اليوم. فالنظام الدولي يدخل مرحلة أكثر حدة من التنافس المتعدد الأقطاب، لا تقتصر على التنافس العسكري فحسب، بل تشمل أيضاً سباقات في الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم والتقنيات الاستراتيجية. إن استمرار التدخل العسكري في الشرق الأوسط من شأنه أن يُعرّض الولايات المتحدة لخطر الانشغال بأمور تستنزف مواردها، في الوقت الذي يتسارع فيه التنافس مع الصين وتسعى فيه القوى الصاعدة إلى تعزيز نفوذها، وفق المقالة.
ويزيد موقع إيران الجغرافي من هذا الخطر. فبموقعها الاستراتيجي على طرق الطاقة العالمية الرئيسية، تمتلك طهران القدرة على تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وحتى تعطيل محدود من شأنه أن يرفع أسعار النفط بحدّة، ما يُغذي التضخم عالمياً. وبالنسبة للولايات المتحدة، سينعكس ذلك على ارتفاع أسعار المستهلكين وتراجع المرونة الاقتصادية في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى التركيز الاستراتيجي والاستقرار الاقتصادي.
نتائج عكسية
كما أن هناك خطراً من أن يأتي الضغط العسكري بنتائج عكسية سياسياً. على الرغم من السخط الداخلي الكبير، أظهر النظام الإيراني مراراً وتكراراً قدرته على حشد المشاعر القومية رداً على التهديدات الخارجية. وقد يُعزز العمل العسكري التماسك الداخلي، ويُرسخ سردية النظام للمقاومة، ويُهمّش حركات المعارضة، وفق المقالة.
ولم تُسفر الضربات الأميركية والإسرائيلية السابقة على البنية التحتية الإيرانية عن نتائج استراتيجية حاسمة. فعلى الرغم من الخسائر في المنشآت والكوادر القيادية، أثبت الوضع العسكري الإيراني الأوسع ونفوذه الإقليمي قدرتهما على التكيف.
ويخلص كاتب المقالة إلى أن "هذا ليس عام 2003، وإيران ليست كالعراق أو فنزويلا. لن تكون الحرب سريعةً أو رخيصةً أو حاسمة. يكمن الخطر الأكبر ليس في قرارٍ مُتعمَّدٍ بالغزو، بل في سوء التقدير. فالخطاب المُتصاعد والتقارب العسكري يُمكن أن يزيدا من خطر الحوادث والتصعيد غير المقصود.

نبض