هدوء نسبي في كراكاس... فنزويلا أمام مرحلة دقيقة وسيناريوهات مستقبلية مفتوحة
بعد اعتقال الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، دخلت فنزويلا في مرحلة غموض سياسي غير مسبوقة، تتقاطع فيها الحسابات الدستورية مع رهانات القوة والتدخل الخارجي. في هذا السياق، يقدم محللون عرب لـ"النهار" قراءات متباينة لمسار المرحلة المقبلة، بين انتقال منظّم وإعادة إنتاج للنظام، أو انزلاق نحو تصعيد داخلي.
يقول الخبير اللبناني في شؤون أميركا اللاتينية حسان الزين، لـ"النهار"، إن المشهد الفنزويلي دخل في مرحلة دقيقة بعد اختطاف مادورو وما ترتب عليه من شغور رئاسي. ويشرح بأن الدستور الفنزويلي يميّز بين الشغور الموقت والدائم، لافتاً إلى أن المحكمة العليا والهيئة الانتخابية وأركان النظام تعاملوا مع ما جرى على أنه شغور دائم، ما يفتح مساراً دستورياً واضحاً يقوم على الدعوة إلى انتخابات خلال 30 يوماً، تتولى في خلالها نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز إدارة المرحلة الانتقالية والإشراف على العملية الانتخابية.
ويؤكد الزين أن الجيش يشكّل العامل الحاسم في أي تحوّل، سواء أدى إلى بقاء النظام أو سقوطه، وهو "ميزان القوة" الحقيقي في البلاد. وفي هذا السياق، يشير إلى بيانات الدعم الصادرة عن وزير الدفاع لصالح رودريغيز. لكنه لا يستبعد مساراً ثانياً يقوم فيه النظام السابق بإعادة إنتاج نفسه بواجهة مختلفة، عبر شخصية قد تواصل نهج مادورو، مع التعامل مع اختطاف الرئيس على أنه نكسة موقتة.
ويطرح الزين سيناريو ثالثاً يتمثل بإمكانية التوصل إلى تفاهم مع واشنطن خلال هذه المرحلة، ولا سيما إذا وافقت القيادة الجديدة، خصوصاً رودريغيز، على الشروط الأميركية التي رفضها مادورو، وهو ما عكسته تصريحات كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو.
أما استبعاد المعارضة، ولا سيما ماريا ماتشادو، فيربطه الزين بواقع موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية، معتبراً أن الجيش هو من يحدّد المسارات الكبرى، وأن الإقصاء الحالي يهدف إلى كسب الوقت ومنح فرصة للترتيبات الجديدة. ولا يستبعد اندلاع تظاهرات مؤيدة لمادورو أو مطالبة بإطلاقه، في مقابل حراك معارض محتمل إذا فشلت واشنطن في فرض شروطها. ويحذّر أخيراً من سيناريو تصادمي إذا انقسم الجيش أو رفض بعض قادته الإملاءات الأميركية، ما قد يدفع نحو تدخل عسكري جديد.

من جهته، يقول عضو "الحزب الاشتراكي الفنزويلي الموحّد" والمحلل السياسي الدكتور خالد هندي، لـ"النهار"، إن الوضع في فنزويلا يتسم بهدوء نسبي، خصوصاً في العاصمة كراكاس وسائر المناطق، على الرغم من التطورات الخطيرة المتمثلة باختطاف مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته. ويشير إلى أن تظاهرات واسعة خرجت سابقاً للتعبير عن غضب الشارع، واعتبار ما جرى تدخّلاً سافراً في الشؤون الداخلية وانتهاكاً لسيادة الدولة.
ويرى هندي أن خلفيات التحرك الأميركي تتجاوز مسألة مادورو لتطال أهدافاً استراتيجية أوسع، في مقدّمها السعي للسيطرة على الثروات الطبيعية الفنزويلية والتأثير في المسار الاقتصادي، إضافة إلى كبح تمدد النفوذ الصيني والروسي في أميركا اللاتينية، ولا سيما أن لفنزويلا شراكات واسعة واستثمارات ضخمة مع الصين. ويعتبر أن واشنطن تسعى من خلال هذه الخطوة إلى توجيه ضربة مباشرة إلى بكين وموسكو، وإسقاط نظام حكم يساري لا ينسجم مع مصالحها.
ويضيف أن الولايات المتحدة عادت إلى منطق "مبدأ مونرو"، الذي يتعامل مع أميركا اللاتينية كمجال نفوذ حصري لها، ويرفض أيّ حضور لقوى دولية منافسة. وفي هذا السياق، يشير إلى استهداف رموز الثورة البوليفارية، بما في ذلك تدمير ضريح الرئيس الراحل هوغو تشافيز، ما أثار استياء واسعاً في الشارع.
ويؤكد هندي أن ما جرى يشكّل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي، ويخالف حتى القوانين الأميركية نفسها. ورغم ذلك، يشدد على أن الحياة اليومية في فنزويلا "تعود بالتدريج إلى طبيعتها، في ظل غياب تحركات معارضة في الشارع، ووجود حالة إجماع وطني على رفض التدخل الأميركي، الذي قوبل أيضاً بإدانات دولية واسعة".
يبقى مستقبل فنزويلا معلقاً بين انتقال محتمل وإعادة إنتاج النظام السابق، وسط تأثير حاسم للجيش والضغوط الأميركية، ما يجعل المرحلة المقبلة محفوفة بالغموض، مع احتمال تصاعد التوتر الداخلي أو انفراج سياسي محدود.
نبض