تعقيدات المشهد الفنزويلي... إسقاط مادورو قد يكون المهمّة الأسهل لترامب

تعقيدات المشهد الفنزويلي... إسقاط مادورو قد يكون المهمّة الأسهل لترامب

ما ينتظر البلاد بعد اعتقال مادورو قد يكون أصعب بكثير من لحظة إسقاطه
تعقيدات المشهد الفنزويلي... إسقاط مادورو قد يكون المهمّة الأسهل لترامب
منظر لمنطقة أمنية خارج قصر ميرافلوريس الرئاسي في كاراكاس، (ا ف ب).
Smaller Bigger

قد تكون إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إنجازاً عسكرياً سريعاً لإدارة ترامب، لكن ما يليها يبدو أكثر تعقيداً وخطورة. فإدارة بلد غارق في الأزمات، وتفكيك شبكات نفوذ داخلية وعابرة للحدود، يفتحان باباً على تحديات سياسية وأمنية قد تتجاوز بكثير لحظة إسقاط النظام.

في ما بدا إنجازاً عسكرياً، انتهت العملية الأميركية باعتقال مادورو، غير أن المشهد الفنزويلي يبدو معقداً، وما ينتظر البلاد قد يكون أصعب بكثير من لحظة إسقاط النظام، بحسب صحيفة "واشنطن بوست".

فترامب أعلن صراحة أن الولايات المتحدة ستتولى "إدارة فنزويلا" إلى حين ضمان "انتقال آمن وسليم وحكيم"، وهو طرح يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الغموض السياسي والأمني. كما أن حديثه عن دخول الشركات الأميركية إلى البلاد والسيطرة على أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم أثار تساؤلات واسعة حول الدوافع الحقيقية للتدخل.

وخلال مؤتمر صحافي السبت، اكتفى ترامب بتقديم خطوط عامة عن رؤيته لمستقبل فنزويلا، من دون تفاصيل واضحة عن آليات الحكم أو جدول الانتقال السياسي. في المقابل، لم يُخفِ استعداده لمزيد من التصعيد العسكري.

ومع نقل مادورو إلى نيويورك لمواجهة المحاكمة، وسّع ترامب خطابه ليعكس رؤية أوسع لهيمنة أميركية على نصف الكرة الغربي، مستحضراً مبدأ مونرو من القرن التاسع عشر، قبل أن يعلن أن المرحلة الجديدة يمكن تسميتها "مبدأ دون-رو". كما حذّر من أن ما جرى في فنزويلا قد يشكّل نموذجاً لتدخلات مشابهة في دول أخرى متورطة في تهريب المخدرات، موجّهاً تحذيراً مباشراً إلى الرئيس الكولومبي غوستافو بترو.

هذا التوجه يتناقض مع صورة ترامب التي قدّمها طويلاً كرئيس غير تدخلي، وهو خطاب شكّل أحد أعمدة قاعدته الانتخابية "ماغا" وشعار "أميركا أولاً". إلا أن الوقائع تشير إلى مسار مختلف، إذ أمر خلال العام الماضي بشن ضربات عسكرية في إيران واليمن وسوريا والعراق ونيجيريا، إضافة إلى عمليات بحرية استمرت أشهراً ضد قوارب يُشتبه في نقلها المخدرات من فنزويلا.

ويرى محللون أن نجاح ترامب في المرحلة المقبلة سيتوقف على قدرته في إيجاد شركاء موثوقين داخل ما تبقى من مؤسسات الدولة الفنزويلية. فعلى الرغم من اعتبار واشنطن أن نظام مادورو غير شرعي، قال ترامب إن وزير الخارجية ماركو روبيو أجرى اتصالات مع نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، زاعماً أنها "مستعدة للقيام بما يلزم". لكن رودريغيز سرعان ما نفت ذلك علناً مطالبة بالإفراج الفوري عن مادورو وزوجته.

في الوقت نفسه، قلّل ترامب من فرص تولي زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة جائزة نوبل للسلام لعام 2025، دوراً قيادياً في المرحلة المقبلة، ما يزيد من ضبابية البدائل السياسية المطروحة.

وتبقى إحدى أعقد المعضلات متمثلة في العصابات الإجرامية المسلحة التي يرتبط كثير منها بشبكات موالية لمادورو ولا تزال ناشطة على الأرض. أما في الولايات المتحدة، فمن المتوقع أن تواجه الإدارة أسئلة حادة من الكونغرس الذي لم يُبلَّغ مسبقاً بالعملية. 

ويقول إدوارد ب. جوزيف، المحاضر والزميل الأول في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن، لـ"النهار": "أولاً، لم تكن عملية القبض على مادورو بسيطة بأي شكل من الأشكال. نجاحها الكبير يخفي مدى التعقيد والمهارة المطلوبين لتنفيذها. ورغم أن التوقيت كان مفاجئاً، كان مادورو على علم بالتهديد واتخذ إجراءات مضادة، لكنها لم تؤثر أمام خطة محكمة شاركت فيها عدة أجهزة أميركية".

ويضيف جوزيف: "نجاح العملية له انعكاسات سياسية كبيرة، سواء لفنزويلا أو على نطاق أوسع. تماماً كما كان للنجاح العملياتي للحملة العسكرية الأميركية والإسرائيلية في إيران أثر نفسي على خصومها، فإن النجاح في كاراكاس يفرض عبئاً على خلفاء مادورو، وقد أشار ترامب لذلك في مؤتمره الصحافي، محذراً من أن الآخرين قد يواجهون مصيراً مشابهاً".

ويتابع: "ثانياً، يطرح تصريح ترامب الغريب بأن 'سنقوم بإدارة فنزويلا' العديد من التساؤلات حيال المرحلة التالية. إذا حاولت واشنطن فرض هذا النهج، سيكون كارثياً. يبدو أن ترامب وروبيو يعتقدان أنهما سيحصلان على حكومة خليفة مطيعة بقيادة رودريغيز. لكن السؤال يبقى: هل ستتعاون، ليس فقط في قطاع النفط، بل أيضاً في الانتخابات التي قد تنهي حقبة 'تشافيزية' والاشتراكية في فنزويلا؟ الطريق أمام واشنطن مليء بالأسئلة المفتوحة والتحديات الكبيرة".

 

مادورو برفقة عملاء إدارة مكافحة المخدرات داخل مقر إدارة DEA في مانهاتن السفلى، نيويورك، (ا ف ب).
مادورو برفقة عملاء إدارة مكافحة المخدرات داخل مقر إدارة DEA في مانهاتن السفلى، نيويورك، (ا ف ب).

 

تعيد خطوة واشنطن  البلاد إلى منطق التدخلات الكبرى، فيما فتح ترامب فصلاً جديداً عالي المخاطر في فنزويلا، بحسب "نيويورك تايمز" فبعد إسقاط نظام مادورو وإعلان واشنطن نيتها "إدارة" البلاد لفترة غير محددة مقروناً بالحديث عن السيطرة على الاحتياطيات النفطية الهائلة، وُضعت الولايات المتحدة أمام تجربة غير مسبوقة منذ عقود في الهيمنة السياسية والاقتصادية على دولة يبلغ عدد سكانها نحو 30 مليون نسمة.

قانونياً، تستند الإدارة إلى لوائح اتهام تتعلق بتهريب المخدرات ضد مادورو وزوجته، لكنها لا توفّر أساساً واضحاً للسيطرة على دولة بكاملها. في المقابل، تتراكم الأسئلة: هل ستحتاج إلى قوة لحماية قطاع النفط؟ من سيدير القضاء والانتخابات؟ وماذا لو اختار الفنزويليون مساراً سياسياً لا ينسجم مع الرؤية الأميركية؟

هنا يكمن التناقض الأكبر: خطوة قد تغرق واشنطن في مستنقع طويل الأمد، شبيه بـ"الحروب الأبدية" التي طالما حذّرت منها قاعدة ترامب نفسها، في بلد بحجم فنزويلا وتعقيداتها، ما يجعل إسقاط النظام مجرد البداية، لا النهاية.

ومع ذلك، تشير شبكة "سي أن أن" إلى أنه إذا تحققت التوقعات الإيجابية لرهان ترامب، قد يخفف من معاناة الشعب الفنزويلي ويحقق الاستقرار ويسمح بعودة اللاجئين الفنزويليين إلى ديارهم ويحبط جهود الصين وروسيا لكسب موطئ قدم قد يهدد أمن البلاد ومصالحها.

وستؤدي عملية عسكرية منفذة تنفيذاً جيداً على ما يبدو دون سقوط قتلى أميركيين إلى تعزيز سمعة ترامب في تنظيم ضربات عسكرية مدوية بعد ضرباته على المنشآت النووية الإيرانية العام الماضي. 

تبدو لحظة اعتقال مادورو ذروة النجاح، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعدها، حين تتحول القوة العسكرية إلى عبء سياسي، فهل تصبح إدارة الأزمات أصعب من إسقاط الأنظمة؟

 

الأكثر قراءة

كتاب النهار 1/6/2026 4:13:00 AM
منذ أكثر من عام تتعرّض دولة الإمارات لحملة إعلامية ممنهجة، بدأت بهمسٍ خافت، ثم تصاعدت تدريجاً عبر منصات متفرقة، قبل أن تصل اليوم إلى مرحلة الصراخ العلني. وهذا ليس مصادفة...
النهار تتحقق 1/5/2026 2:13:00 PM
بدا الشرع في الصورة مغمض العينين، بينما تمدد على سرير مستشفى، ووضع له أنبوب للتنفس.
سياسة 1/6/2026 1:14:00 AM
استهداف إسرائيلي فجر الثلاثاء في سينيق في مدينة صيدا