قمّة ترامب-شي... انقلاب التاريخ وفقدان السلاح الأهم
بين الاستطلاعات والنكات: أميركا تخسر القوة التي دفعتها إلى الفوز بالحرب الباردة.
"كيف تُميّز الشيوعيّ؟"
"هو ذاك الذي يقرأ ماركس ولينين".
"وكيف تُميّز الرأسماليّ؟"
"هو ذاك الذي يفهم ماركس ولينين".
لم يطلق الرأسماليون هذه النكتة. لقد تداولها الروس في أواخر أعوام الاتحاد السوفياتي، على ما قاله الرئيس الأسبق رونالد ريغان. ولم تكن هذه نكتة السوفيات الأولى على نظامهم، ولا الطرفة الوحيدة التي نقلها ريغان في طريق العودة من موسكو إلى واشنطن.
إذا أراد المرء فهم جانب من جوانب القوة الناعمة فالنكتة مؤشّر قويّ. أن تعترف ساخراً بأن أفكار خصمك الكبرى أفضل من أفكارك هو أحد مرادفات القوة الناعمة.
40 عاماً... يا له من فرق!
في تموز/يوليو الماضي، أصدر "مركز بيو للأبحاث" استطلاع رأي عالمياً وجد أنه بات يُنظر بإيجابية أكبر إلى الصين، في عشرين من أصل ست وثلاثين دولة شملها الاستبيان. امتلك 46 مقابل 36 في المئة نظرة أكثر إيجابية للصين بالمقارنة مع أميركا. هذا بالرغم من أنه في بداية الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، صبت النسبة في مصلحة الولايات المتحدة بفرق مماثل.

انعكست هذه النتيجة أيضاً على ثقة الناس بحكمة القرارات الخارجية للرئيسين: 31 مقابل 21 نقطة مئوية لمصلحة الرئيس شي جينبينغ. وصبّت النتيجة أيضاً في مصلحة ترامب مطلع ولايته الثانية (32-25). هذا مع العلم أن الفارق كان شاسعاً لمصلحة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن سنة 2023، إذ بلغت الثقة به نحو 3 أمثال (54-19) الثقة التي نالها شي حينها. وليس استطلاع "بيو" الوحيد الذي ينقل هذه الأجواء.
لا شكّ في أن سياسات الصين وثقافتها تجذب اهتمام كثر. بحسب "مجلس العلاقات الخارجية"، تنتشر اتجاهات بين الشبان الغربيين في اعتناق نمط ثقافي صيني كشرب المياه الساخنة، وركوب افتراضي لقطارات الصين عبر البث المباشر للمؤثرين، وألعاب الفيديو، إلى جانب الانبهار بالصناعات الصينية. لكن لا شك أيضاً في أن الولايات المتحدة تمدّ يد العون للصين.

لا تزال واشنطن قادرة على استعادة المبادرة، إذا غيّرت سياستها. حتى في أرقام "بيو" الأخيرة، يشير القسم الأكبر من المستطلعين إلى أن الحكومة الأميركية تحترم الحريات الشخصيات أكثر من الحكومة الصينية. المشكلة أن واشنطن قد لا ترغب بمساعدة نفسها. أعلن ترامب مؤخراً منع مجموعة من وسائل الإعلام تغطية نشاطات الرئيس من داخل البيت الأبيض. لكن القضاء تدخل وألزم ترامب بإعادتهم. في الخارج، الوضع أصعب. تعامله مع الحلفاء وحتى المحايدين إشكالية أخرى.
بين شي وترامب... أو بين شي وريغان
اعتمدت القوة الناعمة الأميركية على النظام الديموقراطي الليبرالي وفروعه من سيادة القانون وتعزيز الحريات ورفع مستوى المعيشة وصولاً إلى إطلاق ثقافة عيش متمايزة. ألهم ذلك كثراً حول العالم، وخصوصاً في أوروبا الشرقية، للمطالبة بتطبيق ما يشبه هذا الحكم في بلدانهم. لذا، ساهم هذا المفهوم في حسم الحرب الباردة لمصلحة الولايات المتحدة، على وقع ضحك ريغان ومناصريه.

أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة في قوتها الثقافية بدأ يحضّ المفكرين الأميركيين على وقفة تأمل. المثل الفاقع عن كيفية انقلاب المعايير أنّ ترامب، وهو يستضيف نظيره الصيني أو يحلّ ضيفاً عنده، يحسده على طريقة حكمه. هذا بدلاً من أن يكون العكس، بحسب تاريخ القوة الناعمة الأميركية. ربما ينقل شي في رحلة العودة إلى الصين نكاتاً أميركية.
نبض