ترامب خطيباً في عشاء المراسلين… يخسر مجدداً أمام أشباح أوباما الضاحكة
مع تباطؤ الثواني في المرور، وانشغال المراسلين بهواتفهم وملء كؤوس النبيذ، والانسحاب إلى الردهة بحجة تلقي اتصال، بدا أن الرئيس دونالد ترامب خسر المبارزة المؤجلة منذ عشر سنوات مع غريمه السابق باراك أوباما، وفشل في تقديم خطاب مسلّ في عشاء مراسلي البيت الأبيض يتفوق على خطابات - عروض أوباما اللامعة طوال فترة رئاسته.
عشاء بلا ضحكات
الحفل التقليدي، المعاد تدويره الجمعة الفائت من سابقه الملغى بسبب اقتحام مسلحٍ الاحتفال، مرّ، أمنياً على الأقل، على خير ما يرام. لكن العشاء لم يترك طعماً جيداً في فم الرئيس، لسبب واضح هو أن ترامب ليس معروفاً بحس الفكاهة، أو لنقل إن الجمهور الإعلامي، بمعظمه، الحاضر في القاعة، ليس جمهوره المعتاد الذي يجلس مأخوذاً بقائده، ضاحكاً لكل نكتة يقولها، خاصة إذا كانت مسيئة للإعلام المزيف. أكثر من ذلك، فإن سوء التفاهم الممتد بين معظم جمهور الجمعة الفائت وبين ترامب لن تكسره استراحة المحارب بين هاتين السلطتين، التنفيذية والإعلامية، وهما، من المفترض، أن تكونا في نزاع دائم صحي للديموقراطية والرأي العام معاً.
نكات لم تصب هدفها
خلاصة هذا اللقاء المرتقب بين الرئيس ومراسلي بيته الأبيض كانت مسطحة. أسهب ترامب في مدح نفسه، كالعادة، ووجّه إساءات متعمدة إلى صحافيين بالأسماء، وإلى خصومه من الديموقراطيين وغيرهم، كالعادة. وحين لم تلقَ نكاته إلا الفتور، ألقى باللوم على كاتب الخطاب، أيضاً كالعادة. حتى الحركة التي أراد منها إسقاط الميكروفون من يده، علامة الإنجاز بإدهاش الموجودين، كانت أقل وقعاً مما كان ينتظر. هكذا، بدت القبعة الحمراء المكتوب عليها "ترامب 2028"، في إشارة إلى نيته الترشح لولاية ثالثة، نكتة ممجوجة.

شبح أوباما
الكوميديا ليست ملعب ترامب ولا جمهوره، ما خلا تلك "غير المتعمدة" التي، لفرط جديتها ودراميتها، تثير ضحكاً لم تتقصده. وترامب، مذ دخل السياسة من باب الغرابة المطلقة، كان صاحب قضية صلبة وشرسة لإعادة أميركا عظيمة مجدداً، ومثل هذه القضية لا تحتمل مزاح الليبراليين وخفّتهم، من باراك أوباما إلى جون ستيوارت، الذين يرى المحافظون في سخريتهم ومرحهم الزائدين حذلقةً متذاكيةً مجهزةً لتجويف القضايا الكبرى تمهيداً لتدميرها. سلاح اليمين الشعبي في مواجهة هذه الثقافوية الفوقية عند اليسار يكون، في العادة، السخرية الفجة وخرق الصوابية السياسية كلما أمكن. حينها، لا يجد شخص مثل ترامب وسيلة لإضحاك المعجبين به إلا بانتقاء ضحية بعينها والتنمر بقسوة عليها. وهذا تقليد في صلب السيرة الشخصية للرئيس، الذي لم يحاول مرة أن يدّعي أنه قادر على إضحاك الموجودين بنكتة بيضاء خالية من شوائب الإساءة والتنمر.
وكما في الكوميديا، كذلك في السياسة، يعمل دماغ رجل الأعمال النيويوركي العتيق، المجرّب، الذي لم يسمع بالشاعر أحمد شوقي، لكنه يطبق، على طريقته، واحداً من أشهر شطور أمير الشعراء: "ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً". ترامب، الذي أخذ البيت الأبيض مرتين "غلاباً"، خسر في المبارزة المؤجلة مع باراك أوباما في خطاب عشاء مراسلي البيت الأبيض قبل أن يلقي الخطاب، لأن الرئيس الأسبق، في خطاباته بالمناسبة عينها، محا كل خطابات أترابه السابقين، وأرسى سقفاً عالياً للاحقين من الصعب عليهم تجاوزه، بخاصة دونالد ترامب، الذي ظل يمتنع طوال فترة رئاسته الأولى عن حضور هذا الحفل بسبب خصومته مع المراسلين، بالطبع، لكن قبل ذلك، بسبب خوفه من شبح باراك أوباما وتألقه الكبير في هذه الخطابات بالتحديد، التي ستكون مقياساً ظالماً للمقارنة معه، بإمكاناته الخطابية والكوميدية المحدودة، وعجز من يكتبون له عن الإتيان بنكتة واحدة لماحة خالية من التنمر.
وفي خسارته أمام أشباح أوباما التي كانت تحوم في المكان، لم يكسر ترامب سوء الطالع مع هذا العشاء الملعون، ومن يعلم، قد يعود إلى روتينه المعتاد بالتغيب عنه في العشاءين المقبلين، اللذين سيكونان آخر فرصتين له لتحطيم نظرية باتت ثابتة: دونالد ترامب لا يتمتع بأي حس فكاهة يُذكر.
نبض