هوس الرسوم الجمركية... كيف حوّلها ترامب إلى سلاح سياسي؟
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرسوم الجمركية إلى واجهة المشهد الاقتصادي العالمي بإعلانه فرض رسوم جديدة على واردات من عشرات الدول، في أحدث خطوة ضمن سياسة باتت تشكل إحدى أبرز سمات نهجه في إدارة العلاقات الاقتصادية مع العالم. لكن أهمية القرار لا تكمن في نسب الرسوم أو الدول المشمولة بها فحسب، بل في ترسيخها توجهاً اعتمده ترامب منذ ولايته الأولى، يقوم على توظيف الرسوم الجمركية لخدمة أهداف سياسية تتجاوز التجارة.
وخلال السنوات الماضية، تحولت الرسوم في استراتيجية ترامب من أداة تهدف إلى حماية الصناعة الأميركية وتقليص العجز التجاري إلى ورقة تفاوضية حضرت في معظم الملفات الخارجية، من العلاقات مع الصين، إلى النزاعات التجارية مع أوروبا، مروراً بملفات الهجرة وأمن الحدود، وصولاً إلى قضايا السياسة الدولية.
وبات وصف "هوس ترامب بالرسوم الجمركية" يتردد على نطاق واسع، بعدما كشفت قراراته المتتالية أنه ينظر إلى الرسوم باعتبارها الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية في آن واحد.
من الاقتصاد إلى السياسة
لطالما دافع ترامب عن الرسوم الجمركية باعتبارها وسيلة لإعادة الوظائف إلى الولايات المتحدة وتشجيع الشركات على التصنيع داخل البلاد، انطلاقاً من قناعته بأن الاقتصاد الأميركي تعرض على مدى عقود لممارسات تجارية غير عادلة أضرّت بالصناعة المحلية.
لكن التطبيق العملي لهذه السياسة وسّع نطاق استخدامها بصورة كبيرة؛ ففي كثير من المحطات، لجأ ترامب إلى الرسوم لدفع دول إلى تقديم تنازلات في ملفات لا ترتبط مباشرة بالتجارة، ما جعلها تؤدي وظائف سياسية إلى جانب دورها الاقتصادي.
وتستند هذه المقاربة إلى فكرة يعتبرها ترامب أساسية، وهي أن امتلاك الولايات المتحدة أكبر سوق استهلاكية في العالم يمنحها قدرة على توظيف الوصول إلى هذه السوق لانتزاع مكاسب على المستويين الاقتصادي والسياسي.
التجارة ورقة تفاوض
برز هذا النهج بوضوح خلال الحرب التجارية مع الصين، عندما تبادل الطرفان فرض الرسوم على مئات مليارات الدولارات من السلع، في مواجهة تجاوزت مسألة الميزان التجاري لتشمل المنافسة التكنولوجية والصناعية والاستراتيجية بين أكبر اقتصادين في العالم.
وامتدّ هذا النهج إلى شركاء واشنطن أيضاً. فقد لوّح ترامب مراراً بفرض رسوم على واردات من دول حليفة، وربطها في مناسبات عدة بملفات مثل الهجرة غير الشرعية، وضبط الحدود، والتعاون الأمني، والاتفاقات التجارية، ما عزز الانطباع بأن الرسوم أصبحت نقطة البداية في أيّ تفاوض مع واشنطن، وليست مجرد إجراء تجاريّ يُستخدم عند تعثر العلاقات الاقتصادية.
من هذا المنطلق، بات الإعلان عن الرسوم يحمل رسالة سياسية بقدر ما يعكس قراراً اقتصادياً، إذ غالباً ما يشكل وسيلة لدفع الطرف الآخر إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر ملاءمة للولايات المتحدة.

أداة مرنة للضغط
اعتمدت الإدارات الأميركية المتعاقبة وسائل متعددة للتأثير في سلوك الدول، شملت العقوبات الاقتصادية والقيود المالية والتحركات الديبلوماسية، إلا أن ترامب منح الرسوم الجمركية موقعاً متقدماً ضمن هذه الأدوات.
ويرى مراقبون أن الرسوم توفر للرئيس الأميركي هامشاً واسعاً للمناورة، إذ يستطيع التهديد بها أو فرضها أو تعليقها تبعاً لمسار المفاوضات، وهو ما يجعلها أداة مرنة يمكن تشديدها أو تخفيفها وفق تطورات الملفات السياسية.
وتحمل هذه السياسة أيضاً بعداً داخلياً، إذ يقدمها ترامب للناخب الأميركي باعتبارها دفاعاً عن الصناعة الوطنية والوظائف المحلية، وهو خطاب يلقى صدى لدى جزء من قاعدته الشعبية، ولا سيما في الولايات الصناعية.
سياسة مرشحة للاستمرار
يثير استمرار اعتماد الرسوم الجمركية تساؤلات حيال مستقبل السياسة التجارية الأميركية، وما إذا كانت هذه المقاربة ستبقى مرتبطة بشخص ترامب، أم أنها تمهد لتحول أوسع في استخدام الأدوات الاقتصادية لخدمة الأهداف الجيوسياسية.
ومع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتزايد توظيف الاقتصاد في إدارة الصراعات الدولية، تبدو الرسوم الجمركية مرشحة للحفاظ على مكانتها كإحدى أبرز أدوات النفوذ الأميركي. ويعزز ذلك الانطباع بأن ترامب يرى في الرسوم أسرع وسيلة لفرض الضغوط وانتزاع التنازلات، سواء في مواجهة الخصوم أو خلال التفاوض مع الحلفاء.
ويبقى التحدي في قدرة هذه السياسة على تحقيق مكاسب سياسية من دون أن ترتب تكلفة اقتصادية على الولايات المتحدة نفسها، في ظل ما قد تسببه من ارتفاع في الأسعار، واضطراب في سلاسل الإمداد، وتصاعد التوترات التجارية على المستوى الدولي.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
"القرار السياسيّ اتّخذ بوضوح في مجلس الوزراء لحصر السلاح، والنّص الدستوريّ يُخضع القوّات المسلحة اللبنانية لسلطة مجلس الوزراء، وبذلك أصبح أيّ تنفيذٍ لتفتيش منازل أو أيّ إجراء آخر ضمن سقف القانون"...
نبض