أين مكامن قوة أميركا وإيران في المفاوضات؟
وسط هدنة هشّة، دخلت الولايات المتحدة وإيران محادثات إسلام آباد وفي جعبتهما مطالب كثيرة... وتهديدات أكثر. بين مسوّدات متبادلة لا تُظهر إلا أنّ الهوة أكبر من أن تردم، يبدو التفاوض أقرب إلى عرض عضلات منه إلى بحث عن حلّ. فمن ذا الذي يمتلك عضلات أكبر، واشنطن أم طهران؟
إيران... مفاجأتان بالحد الأدنى
من أهم نقاط قوة إيران تحقيقها مفاجأة الصمود بعد الاغتيال المنهجي لأبرز قادتها الدينيين والعسكريين والسياسيين. قطعُ رأس النظام لم يُترجَم بانهياره. بات لإيران ثقة أكبر الآن بأنه حتى لو فشلت المفاوضات في باكستان فسيكون بإمكانها النجاة من استئناف محتمل للحرب عليها.
نقطة القوة الثانية أن النظام لم يصمد وحسب. إذا كان تقرير "أكسيوس" صحيحاً فإيران تمكنت من الحفاظ على وحدة الإمرة والقيادة، في أصعب الظروف، وصولاً إلى التوقيع على الهدنة. تم إبرام الاتفاق الأولي بقبول من المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي. والأهم أنه تمكن من التواصل مع المفاوضين عبر وسطاء استطاعوا الإفلات من أعين الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية.

وتتمتع إيران بالثقة لأن قوتها النارية ظلت ثابتة على مدى شهر تقريباً بالرغم من القصف الجوي لترسانتها العسكرية. صحيح أن القوة النارية انخفضت بشكل كبير، وقد تمكنت كل دول المنطقة من تقييد آثارها، لكن واشنطن وتل أبيب كانتا بحاجة إلى مؤشر عملي عن انخفاض عدد المقذوفات في الأيام الأخيرة للحرب، وهذا ما لم تحصلا عليه.
رابعاً، حوّلت إيران مضيق هرمز إلى ورقة قوة غير متوقعة. تريد طهران اليوم فرض رسوم بمليون دولار على كل سفينة تعبر المضيق، بينما لم تنجح كل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب للإيرانيين من مغبة عدم فتح المضيق.

وفشلت كل نداءاته للحلفاء الأوروبيين بالمساهمة في فتح المضيق مما وضعه في موقف محرج. أضحى ترامب يفاوض الآن لفتح ممر كان مفتوحاً في الأساس. سيفرض الفشل في إعادة فتح الممر كلفة اقتصادية متزايدة سيشعر بها الأميركيون لاحقاً.
أميركا... الآلة العسكرية الضاربة
تدخل الولايات المتحدة المفاوضات من موقع عسكري أقوى. فصمود طهران مهم أكثر للنتائج الإعلامية لا العملية. من المرجح أن يكون القبول الإيراني بالهدنة مدفوعاً بالخوف من حملة قصف أميركي موسعة للجسور والبنى التحتية في إيران، مما أمكن أن يفقد النظام خطوط تواصله. أن تكون طهران قد قبلت بالتفاوض قبل نحو ساعتين من نهاية مهلة ترامب النهائية دلالة لافتة إلى أن للقوة الإيرانية حدوداً.

نقطة القوة الثانية أن الولايات المتحدة تمكنت من فرض فصل الجبهتين الإيرانية واللبنانية. بالرغم من تهديدات إيران بإنهاء الهدنة في حال استمر القصف على "حزب الله"، أرسلت طهران وفدها إلى باكستان. التناسق الكبير في الموقفين الأميركي والإسرائيلي تجاه جبهة الجنوب اللبناني يرجّح أن يكون الاتفاق الأساسي بشأن الهدنة قد استبعد "حزب الله" عن التهدئة. لا يعني ذلك أن ترامب غير خائف من القوة الإسرائيلية المفرطة، إذ بحسب "سي إن إن"، طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يكون "أكثر هدوءاً" في لبنان.
وبالحديث عن الفصل بين الجبهات، ظلّ دخول الحوثيين الحرب في وقت متأخر ذا أثر محدود، كما كان متوقعاً. فالحوثيون أنفسهم منهكون، كما سائر وكلاء إيران في المنطقة. وهذه نقطة ضعف كبيرة لإيران.

في مقابل ضعف التمدد الإيراني الإقليمي، تخوض الولايات المتحدة حربها على إيران مع حليفها الإسرائيلي الوثيق. أهمية إسرائيل في هذه الحرب عسكرية، لكن أيضاً تجسسية. وهنا تدخل قضية الإمرة والسيطرة الإيرانية في الحسابات مجدداً.
بعد عمليات الاغتيال الشاملة في الأيام الأولى للحرب، كانت النظرية المنطقية تقول إن نوعية الاغتيال ستخف بالنظر إلى تبعثر الجواسيس على الأرض بفعل القصف. لكن إسرائيل تمكنت من اغتيال أبرز شخصية بعد المرشد، علي لاريجاني. إذا حصلت واشنطن وتل أبيب على معلومات حول خامنئي مجدداً، فقد تتحركان في المستقبل ضده لو فشل التفاوض. إذا، لا تزال مكتسبات طهران، وخصوصاً الصمود، غير نهائية.
حدود الحماسة
بإمكان طهران الشعور ببعض الارتياح لأن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس المناهض أساساً للحرب يقود الوفد الأميركي. مع ذلك، لن يجرؤ فانس على معاندة أفكار رئيسه لأنه يريد دعمه للترشح إلى انتخابات 2028 مهما كان الثمن، بما فيه دعم الحرب. وبما أن ترامب ليس شخصاً صبوراً ومحباً للتفاصيل، ثمة فرصة أمام إيران لانتزاع مكاسب سياسية من المفاوضات، خصوصاً إذا مكّنت ترامب من ادعاء إبرام "اتفاق جميل". لكن الحماسة تنتهي هنا.
كيفما تم تقليب الصورة، لا تزال الموازين العسكرية تصب في مصلحة أميركا. ربما تكون أميركا متعبة عسكرياً، لكن إيران منهكة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. باختصار، ستكون إيران ملزمة بالحذر الشديد في التعاطي مع الوفد الأميركي.
صحيح أن وفدها أكثر خبرة من الوفد المقابل على مستوى الديبلوماسية والتفاصيل التقنية، لكن الإفراط في الضغط على الأميركيين قد يعني دماراً غير مسبوق لإيران. بالنسبة إليها، لم يكن قط الخيط الفاصل بين النجاح والانهيار رفيعاً إلى هذا الحد.
نبض