هل يُتاجر ترامب بحرب إيران؟
قد يكون من السهل تفسير التناقض في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الحرب على إيران بوصفه ارتباكاً أو أسلوباً شعبوياً. لكن تكرار هذا التناقض، وتوقيته، والنتائج التي يتركها في كل مرة، تجعل هذا التفسير غير كافٍ. ما يظهر في الأسابيع الأخيرة ليس مجرد خطاب متبدّل، بل نمط ينتج أثراً مباشراً: كل انتقال من التهدئة إلى التصعيد، أو العكس، يتبعه تحرك واضح في أسعار السوق خلال ساعات، وأحياناً خلال دقائق.
وفي الوقت الذي تُنتج فيه هذه الحركة رابحين وخاسرين بسرعة قياسية، تظهر داخل الدائرة السياسية والعائلية المحيطة بترامب انكشافات على قطاعات تستفيد من الحرب، أو من الخوف منها.
بهذا المعنى، لا يعود التناقض مجرد خلل في الرسالة السياسية. بل يبدو، أكثر فأكثر، كأنه جزء من طريقة إدارة المشهد.
28 شباط: بداية الحرب… ارتفاع الأسعار وشبهة الاستثمار
منذ بداية الحرب في 28 شباط/فبراير، ارتفع النفط من مستويات تقارب 70–75 دولاراً إلى نحو 118 دولاراً خلال آذار/مارس، أي مكاسب قاربت 64%. هذا المسار يمكن تفسيره بطبيعة الحرب نفسها. مخاطر على مضيق هرمز، تهديد مباشر للإمدادات، وارتفاع تلقائي في علاوة المخاطر.
لكن هذه الصورة لا تكتمل من دون الإشارة إلى ما تداوَلته منصات ومصادر عن دخول بارون ترامب، نجل الرئيس الأميركي، في استثمارات أو رهانات في سوق النفط قبل الحرب، قُدّرت بين 30 و50 مليون دولار. هذه المعلومات غير مثبتة حتى الآن، لكنها تفرض نفسها في التوقيت، خصوصاً عندما توضع لاحقاً إلى جانب تقلبات مرتبطة مباشرة بخطاب الرئيس الأميركي.
لكن هذه كانت المرحلة الوحيدة التي تحرك فيها السوق على أساس الحرب فقط. بعد ذلك، بدأ عامل آخر يفرض نفسه تدريجياً: خطاب ترامب نفسه.
23 آذار: بين التهدئة وتحركات السوق
في 23 آذار، ظهرت أول إشارة واضحة إلى هذا التحول. ترامب أعلن تأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية، وتحدث عن "محادثات جيدة". خلال ساعات، هبط النفط من أكثر من 110 دولارات للبرميل إلى نحو 99 دولاراً، أي تراجع إلى ما يقارب 15%. بالتوازي، تراجع الذهب إلى نحو 4400 دولار، وارتفعت الأسهم.
حتى هنا، يمكن القول إن السوق استجاب لإشارة تهدئة. لكن ما يجعل هذه المحطة مختلفة هو ما سبقها. وكالة "رويترز" وثّقت تداولات بنحو 500 مليون دولار على النفط قبل 15 دقيقة فقط من منشور ترامب الذي أعلن فيه تأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية. هذا التفصيل وحده يكفي لنقل المسألة من تأثير سياسي على السوق إلى سؤال مختلف تماماً: من يتعامل مع التوقيت قبل أن يصبح معلناً؟
أواخر آذار: خطاب متبدّل… وسوق بلا اتجاه
بعد ذلك، لم يعد الخطاب مستقراً. خلال الأيام التالية، بدّل ترامب روايته أكثر من مرة: حرب قصيرة، ثم أسابيع إضافية، ثم حديث عن "استسلام غير مشروط"، قبل أن يعود ويشير إلى اقتراب تحقيق الأهداف. سياسياً، هذا تضارب. لكن عملياً، هذا يعني أن السوق لم يعد يبحث عن اتجاه ثابت، بل بدأ يتعامل مع كل تصريح كحدث بحد ذاته، يُعاد على أساسه تسعير المخاطر.
1 نيسان (نهاراً): إشارة خروج… وانخفاض فوري
هذا النمط يتكرّس بوضوح في 1 نيسان/أبريل. في حديثه إلى "رويترز"، قال ترامب إن الولايات المتحدة قد تكون "خارج إيران بسرعة". فوراً، تراجع النفط إلى نحو 101 دولار، وارتفعت الأسهم، وارتفع الذهب إلى نحو 4784 دولار. الرسالة التي تأثر بها السوق كانت واضحة، وهي احتمال تراجع التصعيد.
1 نيسان (ليلاً): انقلاب الخطاب… وانعكاس كامل للسوق
لكن هذا الاستقرار لم يصمد. فبعد ساعات فقط انقلب الخطاب. في كلمة متلفزة كان يُتوقع أن يُعلن خلالها الرئيس الأميركي انتهاء الحرب بناء على تصريحاته السابقة، تحدث ترامب عن استمرار الحرب لأسبوعين أو ثلاثة، مع توسيع الضربات. في صباح اليوم التالي، انعكس السوق بالكامل، فقفز النفط فوق 107 دولارات، أي أكثر من 6%، الذهب تراجع إلى نحو 4664 دولاراً، الفضة هبطت إلى حدود 71 دولاراً، والأسهم انخفضت.
ما يجعل هذه المحطة حاسمة ليس حجم الحركة، بل المقارنة، فلا شيء تغيّر في الميدان بين التصريحين. الذي تغيّر هو الخطاب، والسوق تحرّك معه فوراً.

تذبذب مُعاد إنتاجه
إذا وُضعت هذه المحطات جنباً إلى جنب، يتضح النمط بدقة:
في 28 شباط، إعلان حرب رفع أسعار النفط بنسبة 64%.
في 23 آذار، تصريح تهدئة خفّض النفط بنحو 15%.
في 1 نيسان نهاراً، تهدئة جديدة دفعت النفط نحو 101 دولار.
في الليلة نفسها، تصعيد أعاده فوق 107 دولارات.
هذا ليس مساراً صعودياً أو هبوطياً، بل هو تذبذب يُعاد إنتاجه.
السياسة والمصلحة: شبكة مترابطة لا يمكن تجاهلها
هنا تحديداً يصبح تجاهل الترابط أصعب من القبول به.
ففي هذا السياق، يكتسب البعد الاستثماري داخل الدائرة القريبة من ترامب وزناً إضافياً. في 17 شباط، أي قبل اندلاع الحرب بأيام، دخل إريك ترامب في صفقة اندماج بقيمة 1.5 مليار دولار لإدراج شركة "اكستند" XTEND الإسرائيلية المتخصصة في المسيّرات، كما استثمرت شركة "آنيوجوال ماشينز" (Unusual Machines) المرتبطة بدونالد ترامب الابن أيضاً في الصفقة نفسها. "رويترز" أشارت كذلك إلى أن الحرب الحديثة رفعت الاستثمار في شركات المسيّرات والذكاء الاصطناعي العسكري ورفعت تقييمات شركات مثل "أندوريل" (Anduril) و"شيلد إيه آي" (Shield AI).
ربما لا يثبت هذا الترابط وجود علاقة سببية مباشرة بين القرار السياسي والاستثمار، أو أن الحرب على إيران صُممت لإثراء العائلة، لكنه يكشف عن واقع لا يمكن تجاهله: العائلة موجودة فعلياً داخل قطاع يستفيد من التصعيد. ومع كل تصعيد، ترتفع قيمة هذا القطاع، بغض النظر عن النيات.
الصورة لا تكتمل من دون الإشارة إلى ما كشفته " فايننشال تايمز" (Financial Times) عن محاولة وسيط مرتبط بوزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ترتيب استثمار في صندوق دفاعي قبل اندلاع الحرب. ورغم أن الصفقة لم تُستكمل ونُفيت رسمياً، فإن أهميتها لا تكمن في نتيجتها، بل بالتفكير بالدخول إلى قطاع دفاعي سبق التصعيد العسكري، وفي المجال نفسه الذي استفاد لاحقاً من الحرب.
إلى جانب ذلك، سُجّلت رهانات بأكثر من 500 مليون دولار سبقت تصريحات رئاسية بدقائق. إضافة طبعاً إلى ما سبق وذكرناه عن معلومات بشأن استثمار بارون ترامب في سوق الطاقة قبل الحرب.
أي عنصر من هذه العناصر، منفرداً، قد لا يكفي لإثبات شيء. لكن اجتماعها في توقيت واحد، وتحت خطاب سياسي يُحرّك الأسعار بشكل مباشر، يجعل الصورة مختلفة.
في هذه الحالة، لا يعود الخطاب مجرد توصيف للحرب، بل يصبح جزءاً من حركتها. يحرّك الأسعار، ويُعيد توزيع الأرباح، قبل أن تتغيّر الوقائع على الأرض.
نبض