مفاوضات أم مناورات... بمَ يفكّر ترامب؟

مفاوضات أم مناورات... بمَ يفكّر ترامب؟

تحوّل التناقض بين ما يقوله الرئيس الأميركي دونالد ترامب وما تنفيه طهران إلى عنصر مركزي في فهم مسار الصراع. 
مفاوضات أم مناورات... بمَ يفكّر ترامب؟
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث إلى الصحافيين قبيل صعوده إلى الطائرة الرئاسية "إير فورس وان" في مطار بالم بيتش الدولي، فلوريدا،
Smaller Bigger

مع دخول الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع، لم يعد التناقض بين ما يقوله الرئيس الأميركي دونالد ترامب وما تنفيه طهران مجرد تفصيل إعلامي عابر، بل تحوّل إلى عنصر مركزي في فهم مسار الصراع. إعلان ترامب إرجاء ضربات على منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، مترافقاً مع حديثه عن محادثات "جيدة جداً" واحتمال التوصل إلى "حل شامل"، فتح الباب أمام تساؤل أساسي: هل نحن أمام مفاوضات فعلية، أم أمام مناورة سياسية–عسكرية مركّبة تُدار على أكثر من مستوى؟
هذا السؤال يزداد تعقيداً مع تعدد الإشارات المتناقضة. فمن جهة، يقدّم ترامب رواية توحي بوجود تقدم ملموس، متحدثاً عن اتصالات مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، وعن 15 نقطة قيد البحث للتوصل لاتفاق. ومن جهة أخرى، يأتي النفي الإيراني حاسماً، سواء عبر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي زُجّ باسمه كمفاوض، أو عبر قنوات إعلامية قريبة من الحرس الثوري، مع تأكيد عدم وجود أي محادثات مباشرة أو غير مباشرة مع واشنطن. إلا أن هذا النفي لا يُغلق الباب بالكامل، إذ يتزامن مع إقرار بوجود وساطات إقليمية نشطة، أهمها وساطة تجمع مصر وتركيا وباكستان، وأخرى على خط روسيا، إلى جانب تحركات موازية لدول أخرى.
لفهم ما يدور فعلياً، لا يكفي الوقوف عند ظاهر التصريحات، بل ينبغي تفكيكها ضمن أربعة احتمالات رئيسية، تشكّل في مجموعها خريطة تفكير محتملة لدى ترامب وإدارته:

 

أولاً: مفاوضات في الظل
يقوم هذا الاحتمال على فرضية وجود قنوات تواصل غير مباشرة بين واشنطن وطهران، تُدار عبر وسطاء إقليميين. المعطيات المتداولة عن تحركات ديبلوماسية، وإشارات إلى إمكانية عقد لقاءات في عواصم مثل إسلام آباد، تدعم هذا السيناريو. في هذه الحالة، يصبح النفي الإيراني جزءاً من إدارة داخلية دقيقة، تهدف إلى تجنب إظهار النظام بمظهر المستجيب للضغط العسكري. كذلك، فإن طبيعة النظام الإيراني، التي تعتمد تعددية مراكز القرار، تفسّر إمكانية وجود تواصل محدود من دون إعلان رسمي.

 

 

 

ثانياً: حرب نفسية متبادلة
في هذا السيناريو، لا تكون "المفاوضات" هدفاً بحد ذاتها، بل أداة في معركة أوسع على السردية. ترامب، الذي يواجه ضغوطاً داخلية واقتصادية، لديه مصلحة في تهدئة الأسواق، ولا سيما سوق النفط، وإظهار قدرته على الجمع بين التصعيد وإنتاج مخرج سياسي. إعلان تعليق الضربات انعكس مباشرة على الأسواق العالمية، ما يعزز فرضية استخدام "التقدم التفاوضي" كأداة ضغط وطمأنة في آن واحد. في المقابل، تسعى طهران إلى نفي هذه الرواية للحفاظ على موقعها التفاوضي، ومنع واشنطن من تحقيق مكسب معنوي عبر تصوير إيران كطرف يرضخ تحت الضغط.

 

رجال إنقاذ في موقع غارة إسرائيلية في طهران. (أ ف ب)
رجال إنقاذ في موقع غارة إسرائيلية في طهران. (أ ف ب)

 

 

 

ثالثاً: مبالغة محسوبة
هذا الاحتمال يفترض أن ترامب يرفع سقف الحديث عن المفاوضات لأهداف سياسية، من دون أن يكون هناك مسار تفاوضي ناضج فعلياً. هذا النمط ليس جديداً في سلوك ترامب السياسي، إذ غالباً ما يستخدم التصريحات كوسيلة ضغط أو كأداة لخلق واقع تفاوضي لم يتبلور بعد. في هذا السياق، يمكن قراءة حديثه عن "نقاط اتفاق كبرى" أو عن تقدم سريع كجزء من استراتيجية تفاوضية قائمة على رفع التوقعات، سواء للضغط على إيران أو لإدارة الرأي العام الداخلي.


رابعاً: تمهيد فعلي لوقف النار واتفاق محتمل
يبقى هذا الاحتمال الأكثر حساسية، والأكثر ارتباطاً بالتحول الاستراتيجي. فإرجاء الضربات لا يمكن فصله عن إدراك أميركي متزايد لمخاطر التصعيد، خصوصاً في ظل التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية. من هذا المنظور، قد يكون ترامب يسعى إلى فتح نافذة سياسية، تبدأ بوقف موقت للنار، وتُستكمل بمفاوضات أوسع تشمل ملفات الملاحة، والطاقة، وربما البرنامج النووي الإيراني. استخدامه لغة "الفرصة" و"الاتفاق الجيد للجميع" يوحي برغبة في الانتقال من منطق الضربة إلى منطق الصفقة، ولو بشكل تدريجي.
ما يعزز هذا الاحتمال أن الحرب، رغم حدّتها، لم تحقق حتى الآن حسماً استراتيجياً لأي من الطرفين. الولايات المتحدة وإسرائيل لم تنجحا في فرض معادلة ردع كاملة، فيما لا تزال إيران تحتفظ بقدرات هجومية وتأثير إقليمي. في مثل هذا التوازن، يصبح التفاوض خياراً عملياً، لا سيما إذا ترافق مع ضغوط اقتصادية متصاعدة ومخاطر توسع النزاع.

وعليه، لا يبدو أن ما يجري يمكن اختزاله في خيار واحد. فالمشهد أقرب إلى تداخل بين هذه الاحتمالات الأربعة: قنوات خلفية محتملة، حرب نفسية علنية، مبالغة سياسية، ومحاولة جدية – وإن كانت حذرة – لاختبار إمكان الانتقال إلى مسار تفاوضي. هذا التداخل يعكس طبيعة المرحلة، إذ تُدار الحرب على مستويين متوازيين: ميداني وسياسي – إعلامي.
بناءً على ذلك، يصبح السؤال الأدق ليس ما إذا كانت هناك مفاوضات أم لا، بل كيف تُستخدم فكرة "التفاوض" نفسها كأداة في إدارة الصراع. فبين إعلان التقدم ونفيه، تتشكل معركة موازية لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية. معركة على الرواية، وعلى توقيت الانتقال من الحرب إلى السياسة.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 3/23/2026 9:45:00 AM
هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم نيسان/أبريل بنسبة 5 بالمئة إلى 4347 دولاراً.
اسرائيليات 3/21/2026 10:54:00 PM
ضربة صاروخية على عراد: أكثر من 120 مصابًا وانهيار مبانٍ ومخاوف من عالقين تحت الأنقاض
اسرائيليات 3/22/2026 1:59:00 PM
ذكر سلاح الجو أنّه حتى الآن تم إطلاق أكثر من 400 صاروخ باليستي نحو إسرائيل.
لبنان 3/22/2026 2:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي هدّد بتدمير الجسر... فما أهميّته لجنوب لبنان؟