هل هذه "حرب إنهاء كل الحروب" مع إيران؟
مع بداية الحرب العالمية الأولى حاجج الكاتب البريطاني إتش جي ويلز دفاعاً عن فكرة أن إنهاء عسكرة ألمانيا سيعيد تعميم السلام. حينها، أطلق عبارته الشهيرة عن تلك الحرب: "إنها حرب إنهاء كل الحروب".
لم تكن الفكرة بالغة الدقة.
بعد نهاية الحرب، قال المشير البريطاني أرشيبولد وافل إن السلام الذي تم التوصل إليه في مؤتمر باريس كان "سلاماً لإنهاء كل سلام".
كانت هذه حينها فكرة أدق.
اليوم، تعيد الحرب على إيران إحياء الطرح الأول. هل تكون حرباً لإنهاء كل الحروب معها؟
قبل ثلاثة أيام من الطلعة الأميركية والإسرائيلية الأولى ضد إيران، كان جنان غانيش ينعى فاعلية الحرب في "فايننشال تايمز"، مع عنوان جريء لمقاله: "كيف توقفت الحرب عن العمل". عرض غانيش الأمثلة التقليدية لدعم نظريته، من فيتنام مروراً بأفغانستان وصولاً إلى أوكرانيا.
لكنه نسي الوجه الآخر للمعادلة
تحتاج الحرب إلى طرفين لخوضها. لذا، إنْ كان الروس قد فشلوا في أفغانستان وأوكرانيا، والولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان والعراق، (مع علامات استفهام حول نطاق كلمة فشل بالنسبة إلى أميركا)، فإنّ الأطراف الضعيفة التي اختارت الحروب عوضاً عن الاستسلام نجحت في تحقيق أهدافها البارزة. لا أحد يتحدث اليوم عن أن أوكرانيا ستسقط، بل فقط عن مقدار خسائرها الإقليمية.
هذا مع وضع جانباً أن تقنياتها باتت مطلوبة في الشرق الأوسط لصدّ المسيّرات الإيرانية. إذاً، لم تفقد الحرب كل فاعليتها. يمكن الحديث عن أن الفعل الهجومي في الحرب خسر إمكاناته الإكراهية. لكن حتى هنا ينبغي التمهل.
U.S. forces are destroying Iranian naval targets that threaten international shipping in and near the Strait of Hormuz. pic.twitter.com/qR6FJyI5ZS
— U.S. Central Command (@CENTCOM) March 19, 2026
الحرب على داعش أفقدت التنظيم مساحة تساوي نصف مساحة المملكة المتحدة تقريباً. بالإمكان قول الكثير عن مخاطر "الذئاب المنفردة" لهذا التنظيم، لكن عملياً، أصبح داعش ظلّاً لما كان عليه سنة 2014. ويمكن قول الكثير أيضاً عن خطورة "القاعدة"، لكن بالحد الأدنى، لا تجرؤ "طالبان" اليوم على منح "القاعدة" حرية حركة كما كان الأمر عشية 11 سبتمبر.
وفي مقابل تمكن ميليشيات مغمورة سابقاً كالحوثيين من تهديد الملاحة في باب المندب، لماذا اختارت عدم الدفاع عن إيران، أو بالحد الأدنى هي تتردد في ذلك؟ على الأرجح، لم تكن الحرب الأميركية والإسرائيلية عليها، "بلا جدوى". وبالمناسبة، لم يسلّم نيكولاس مادورو نفسه طوعاً إلى الأميركيين.
غير واقعي
من غير المرجح أن تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من القضاء على النظام الإيراني، في الأسابيع المتبقية للحرب. وقد لا تتمكنان حتى من القضاء على قدراته التصنيعية، نووية كانت أم صاروخية. لكن المشكلة تكمن هنا في كلمة "قضاء". يُفضَّل حصر استخدامها في ألعاب الفيديو.
Ukraine, meanwhile, tries to limit Russia’s windfall from rising oil prices. Ukrainian drones struck overnight the oil export terminal port of Primorsk on the Baltic Sea, near St. Petersburg. pic.twitter.com/dfcs2RKmSB
— Yaroslav Trofimov (@yarotrof) March 23, 2026
ومهما قيل عن إمكانية إيران استبدال قادتها السياسيين والأمنيين الذين يتخلص منهم الأميركيون والإسرائيليون بشكل غير مسبوق في تاريخ الحروب، يصعب عليها إيجاد بديل للمرشد، بالحد الأدنى، بديل يمكنه تحية الإيرانيين. كذلك، يصعب عليها إيجاد بديل لشخصية بمقام علي لاريجاني، ناهيكم عن أسماء أخرى. بطبيعة الحال، تجد أميركا صعوبة في ضمانة سلامة الملاحة في هرمز، لكن بالمقابل، هي لا تسخّر كامل إمكاناتها هنا حتى اللحظة.
سينجو النظام من الحرب على الأرجح، وهذا باعتراف بعض الإسرائيليين، لكن بقوة متضائلة جداً. بعد فترة وجيزة، ربما تقدّر بأعوام قليلة، ستعود إسرائيل و/أو أميركا لشن حرب عليه مجدداً. "حرب إنهاء كل الحروب" شعار عالي السقف. بينما مصطلح "جزّ العشب" أكثر واقعية.
نبض