إيران... ميدان تجديد الأحادية القطبية
هناك، أمكن تفهم الوضع.
حليف، لكنه بعيد. دولته ليست في "فنائهما الخاص". هكذا تخلت الصين وروسيا عن نيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي الذي اعتقلته واشنطن.
ليس أنه أمكنهما فعل الكثير، باستثناء تعلم بعض أسرار العملية. إذا كان ذلك غير كافٍ، فقد استعادت بنما، بضغط أميركي، حيازة مرفأين تشغّلهما شركة فرعية مقرها هونغ كونغ. قريباً، قد يصل الدومينو إلى كوبا. "دونرو" بلا منازع في النصف الغربي للكرة الأرضية. وهو كذلك في نصفها الشرقي أيضاً.

لطالما جادل البعض بأن العالم يتجه إلى التعددية القطبية. ولطالما كان البرهان على ذلك واهياً. ثنائية قطبية؟ ربما، وهذا في أفضل الأحوال. بالحد الأدنى، هو تحليل أقرب إلى الواقع. فالصين تمثل اليوم قوة اقتصادية أكبر نسبياً مما جسّده الاتحاد السوفياتي، بالرغم من أن اقتصادها أصغر من الاقتصاد الأميركي، عند الاستناد إلى معيار الناتج المحلي الإجمالي.
فماذا عن القوة العسكرية؟
بالتأكيد، لا تستطيع الصين نشر قوتها كما تنشرها الولايات المتحدة. في شهرين، أطاحت واشنطن بزعيمين، على قارتين مختلفتين. كانت للصين ولروسيا حججهما للتخلي عن مادورو. اغتيال خامنئي مسألة مختلفة. باتت أميركا قريبة من متاخمة حدود القوقاز مع روسيا. ليست الصين في وضع أفضل بكثير.

والمقصود هنا أكثر من مجرد خسائر استثمارية، وهي بمئات المليارات. ثمة التباس في ما إذا كانت الصين قد باعت إيران منظومات دفاعية. لو تبين أن التقارير صحيحة فلن تكون التصورات بشأن دفاعاتها أحسن من تلك المرتبطة بالدفاعات الروسية. بشكل مفاجئ، أو بالأحرى غير مفاجئ للمتابعين، يزداد الطلب على سلاح دفاعي أوكراني، لا روسي أو صيني، في الوقت الحالي. هذا في الأنباء العلنية. وبالنسبة إلى الأسلحة الدفاعية العالية التقنية التي تصنّعها أميركا، يبدو أنها عالية الفاعلية أيضاً، كي لا يقال استثنائية. يمكن تذكّر أن إصابة صاروخ دفاعي لصاروخ باليستي هو كإصابة رصاصة برصاصة.
بعيداً من المال والدفاع، هناك الجغرافيا. والجغرافيا هي قدر، كما يقول محللو الجيوبوليتيك. سؤال منطقيّ، في الصين وخارجها: "ماذا تفعل قوة غير أوراسية في منطقة أوراسية؟"
الجواب عند المفكّر الذي لا تموت أفكاره: زبيغنيو بريجينسكي. كي تحافظ على هيمنتها الدولية، يجب على أميركا الحفاظ على حضور بري في قسمين من أوراسيا على الأقل، الغرب والشرق. إلى الآن، هذا ثابت نسبياً. وهي تتقدم أيضاً من الجنوب الغربي. سقوط النظام سيكون ضربة مدوّية للصين، وبمفاعيل رمزية، إذا حصل ذلك قبل زيارة ترامب لها أواخر الشهر الحالي.
لكنْ لحظة... إنها لحظة
بالرغم من كل المزايا الأميركية، ثمة حاجة للتمهل في إطلاق استنتاجات بعيدة المدى. تسير الحرب على إيران بخطى ناجحة عسكرياً. الخسائر البشرية ضئيلة نسبياً، وكذلك الخسائر بالمعدات. ربما ينفد الحظ من الولايات المتحدة بمرور الوقت وتتكبد أكلافاً باهظة. هذا احتمال ضئيل لكنه موجود.
ومن المرجح ألا يسقط النظام قريباً. هل ستكون ذلك ضربة معنوية للأميركيين؟ ربما. وعلى الأرجح، لا. إذا كان كل ما على النظام فعله هو انتظار توقف الضربات لإعلان نجاته، فسيكون على النظام نفسه انتظار توقف التظاهرات المقبلة ليكون مستقبله مضموناً فعلاً. ولا شيء مضموناً في إيران. شهدت البلاد سلسلة لامتناهية من التظاهرات منذ سنة 2017، حين كان النظام في ذروة قوته، فكيف الحال بعد تدمير الكثير من مرافقه الأمنية.
أبعد من إيران، لا تبدو مواقف ترامب كثيرة التناسق في بعض الأحيان. شنّ حرباً تجارية غير حذرة على الصين، فاكتشف شدة قبضتها على العناصر الأرضية النادرة، مما اضطره للتراجع. في النصف الملآن من الكوب، كان ذلك جرس إنذار مبكراً. القوة تُستخدم في مكانها الصحيح. فكل جهد مفرط يؤدي إلى الاستنزاف، كما يقول الأديب الحائز على جائزة نوبل جون ستينباك. هذا على صعيد الفرد والدول. لكن مجدداً، من كان ليتخيل أن تعيد أميركا تأكيد أحقيتها بـ "العرش" بعد حربين شديدتي الاستنزاف.

إنما للأمانة، هي أحقية غير مستقرة. لهذا السبب، يُفضَّل استخدام عبارة "لحظة الأحادية القطبية". هذا ما فعله الكاتب السياسي الراحل الحائز على جائزة "بوليتزر" تشارلز كروتامر، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. بالمناسبة، بلغ الناتج القومي الأميركي في أواخر 2024، بالنسبة إلى الناتج العالمي الإجمالي، نحو 26 في المئة. هذه هي النسبة التي سادت لحظة كتابة كروتامر توصيفه سنة 1990.
إنها لحظة، ولو بالمعنى غير الحرفي. ما إذا كانت ستدوم، أمرٌ تقرره أميركا أولاً، ثم لاحقاً، منافسوها.
نبض