من "الضغط الاقصى" إلى القوة العسكرية... إيران وفنزويلا دلالة على محدودية فعالية العقوبات؟
لطالما اعتمدت الولايات المتحدة على العقوبات الاقتصادية أداةً رئيسيةً للضغط على خصومها وتغيير سلوكهم من دون اللجوء إلى الحرب. غير أن التطورات الأخيرة في إيران وفنزويلا تثير تساؤلات حيال محدودية هذه الأداة، بعدما انتقلت إدارة دونالد ترامب من سياسة الضغط الاقتصادي إلى استخدام القوة العسكرية في البلدين.
استخدمت الولايات المتحدة لسنوات طوال استراتيجيةً اقتصاديةً مدروسةً بعنايةٍ للضغط على خصومها لتغيير سلوكهم. هذا العام، وصلت إدارة ترامب إلى حدود تلك الأدوات، واختارت بدلاً من ذلك استخدام القوة العسكرية لإزالة قادة إيران وفنزويلا.
جاء قرار التخلي عن حملات الضغط القصوى على إيران وفنزويلا بعد محاولاتٍ كثيفةٍ من استخدام النفوذ الاقتصادي الأميركي، فشلت في إحداث تغييرٍ سياسي. في كثير من الحالات، أدى التهرب الواسع النطاق من العقوبات الأميركية وتراخي إنفاذها إلى إضعاف قوتها، حتى في الوقت الذي اعتمدت فيه واشنطن بشكل أكبر على مثل هذه التدابير لتجنب النزاعات المسلحة. ولكن في اقتصادٍ عالميِّ يتسم بالتجزئة المتزايدة، مع بروز عملاتٍ أخرى إلى جانب الدولار، لا يمكن القوة المالية الأميركية أن تفعل سوى القليل، بحسب تقرير لـ"نيويورك تايمز".
يقول أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في معهد الدراسات السياسية في باريس كريم إميل بيطار، لـ"النهار"، إن عدداً كبيراً من الدراسات الأكاديمية أظهر أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على دولٍ عدة حول العالم نادراً ما تحقق أهدافها السياسية. فغالباً ما تؤدي هذه العقوبات إلى إضعاف السكان وإفقارهم، من دون أن تنجح في إضعاف الأنظمة الحاكمة أو القادة الذين تستهدفهم.
ويضيف أن هذه الإجراءات قد تمنح في كثيرٍ من الأحيان الأوليغارشيات القريبة من السلطة فرصةً لتعزيز نفوذها، بعد أن تستحوذ على قطاعاتٍ أساسيةٍ من الاقتصاد وتزيد سيطرتها على الموارد ومفاصل النشاط الاقتصادي.

ويشير إلى أنه عندما تفشل العقوبات في إحداث تغييرٍ سياسي، غالباً ما يجري الانتقال إلى ما تُعرف بسياسة "الضغط الأقصى"، التي تهدف إلى تعميق عزلة الدولة المستهدفة اقتصادياً ومالياً وديبلوماسياً، على أمل دفعها إلى انهيارٍ داخليٍّ أو إثارة انتفاضةٍ شعبية.
لكن التجارب الحديثة، بحسب بيطار، تُظهر أن هذه السياسات نادراً ما تحقق النتائج المرجوة، بل قد تؤدي أحياناً إلى تعزيز النزعات القومية وتقوية التماسك الداخلي حول الأنظمة القائمة.
من جهته، يقول الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور محمد موسى، لـ"النهار"، إن الإجابة عن سؤال فعالية العقوبات الأميركية تتطلب النظر إلى تحولات النظام الدولي خلال العقود الثلاثة الماضية. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تمتعت واشنطن بهيمنةٍ شبه مطلقةٍ على النظام الدولي، ما جعل العقوبات أداةً فعّالةً وقادرةً على إحداث تأثيراتٍ كبيرة، بفضل سيطرتها على مفاصل الاقتصاد العالمي والأنظمة المالية والتجارية.
لكن هذه المعادلة بدأت تتغير مع صعود تعدديةٍ قطبيةٍ نسبيةٍ وتزايد محاولات الالتفاف على العقوبات. كما ساهمت مبادرات دولٍ مثل تلك المنضوية في إطار "بريكس"، في تقليص قدرة العقوبات المالية على إحداث التأثير نفسه الذي كانت تحدثه سابقاً.
ويحذر من أن فشل العقوبات وسياسات الضغط الأقصى قد يفتح الباب أمام إغراء اللجوء إلى القوة العسكرية، في مسارٍ تصاعديّ يبدأ بالضغط الاقتصادي، ثم بالعزلة القصوى، وقد ينتهي باستخدام القوة بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر. وتطرح هذه الدينامية أسئلةً أساسيةً حول مدى فعالية أدوات الإكراه في العلاقات الدولية، وكذلك حول تكلفتها الإنسانية والسياسية على المجتمعات المعنية.
مع ذلك، يوضح أن القول إن العقوبات فقدت جدواها بالكامل مبالَغ فيه، إذ لا تزال الولايات المتحدة تملك نفوذاً كبيراً على حركة التجارة العالمية والنظام المالي الدولي، كما تملك أدوات ضغطٍ واسعةٍ على الدول الصغيرة والمتوسطة وحتى بعض القوى الكبرى. غير أن تراجع فعالية العقوبات يرتبط أساساً بتراجعٍ نسبيٍّ في موقع الولايات المتحدة داخل النظام الدولي.
ويحذر من أن أخطر ما في هذا التحول هو أن تراجع فعالية العقوبات قد يدفع واشنطن إلى اللجوء بصورةٍ متزايدةٍ إلى القوة العسكرية بعد استنفاد أدوات الضغط الاقتصادي، وهو ما قد يعيد تشكيل قواعد النظام الدولي. ويضيف أن ما يحدث اليوم في إيران أو فنزويلا قد ينعكس مستقبلاً على أزماتٍ أخرى، من أوكرانيا إلى تايوان.
نبض