هل ينجو ترامب وحزبه من مصير أسلافه الرؤساء المحاربين؟
"جون سميث" اسم معتمد للدلالة على أميركي عادي نموذجي يعيش في بيت في ضاحية سكنية آمنة ونظيفة، يعمل بوظيفة من التاسعة حتى الخامسة ويعيل أسرة متوسطة الحجم، ويقتني كلباً يرافقه في مشيه اليومي. جون هذا، ابن الطبقة الوسطى لا يعنيه مجتبى خامنئي وعلى الأرجح أنه لم يسمع باسمه من قبل، لكنه يعرف أن أميركا تخوض حرباً أخرى بعيدة، من جديد. بغض النظر عن اقتناعه، من عدمه، بأن هذه الحرب شنت لدرء خطر هجوم نووي وشيك عليه، فإن ما يعنيه من هذه الحرب هو ألا يكون مضطراً مجدداً لدفع فاتورتين، الأولى قتلى وجرحى من جيشه، والثانية معيشية بحتة، تتعلق برفاهه الاقتصادي، من حفاظه على عمله، إلى سعر غالون البنزين.
جون سميث هذا هو نفسه تقريباً في كل حروب أميركا السابقة، الخليج الثانية، أفغانستان، الخليج الأولى، فيتنام، كوريا، إلى آخره. هذا المواطن النموذجي هو أول من يخطر على بال مطلق رئيس أميركي وحزبه، بينما حاملات الطائرات تتحرك إلى بحار بعيدة بشدة عن شواطئ أميركا، لتنخرط في صراع جديد.
وإذا كان هناك من درس يؤخذ من حروب أميركا السابقة، فهو أنها لن تعود بالخير على الرئيس أو حزبه، أو كلاهما معاً. جورج دبليو بوش الذي نال تفويضاً شعبياً وسياسياً هائلاً لخوض أولى حروبه في أفغانستان انتهت ولايته الثانية، وقد احتلت أميركا العراق، بأزمة اقتصادية جعلت شعبية الرئيس تصل إلى أدنى مستوياتها وجلبت شاباً ديموقراطياً ليبرالياً رئيساً أسود للمرة الأولى في تاريخ الاتحاد. قبل بوش، كان والده بوش الأب يخوض عملية نظيفة لتحرير الكويت بأقل خسائر بشرية ممكنة، ومع ذلك لم يستطع العبور إلى ولايته الثانية وهزمه بيل كلينتون بشعار رنان يحتمل الكثير من الحقيقة: "إنه الاقتصاد يا غبي"، حين ركز معركته الانتخابية على الركود الاقتصادي.
غرق أميركا في مستنقع فيتنام قضى بدوره على واحد من ألمع رؤساء أميركا وأكثرهم تحقيقاً لإنجازات على مستوى الحقوق المدنية والتشريعات الداخلية والتأمين الصحي وغيرها، خلال ولايته اليتيمة التي فاز بها. ليندون جونسون أعلن عزوفه عن الترشح لأن فوزه كان مستحيلاً، والنتيجة كانت بالطبع انتقال البيت الأبيض إلى ريتشارد نيكسون وحزبه الجمهوري. الحرب الكورية في مطلع الخمسينيات قضت على الديموقراطي هاري ترومان، بطل الحرب العالمية الثانية المفترض، الذي عزف عن الترشح بسبب انخفاض شعبيته أمام خصمه الجمهوري دوايت آيزنهاور الذي جعل كوريا عنواناً لحملته الانتخابية.

دونالد ترامب لن يترشح مجدداً، لكن الحرب الإيرانية التي دخلت أسبوعها الثاني ليست بعيدة نسبياً عن الانتخابات النصفية المقبلة، والشكل الذي ستتطور إليه ينعكس على من سيكون الرئيس المقبل، والأكثرية الحزبية في الكونغرس.
ومع أن "ضريبة الدم" لا تزال محتملة بشدة إلا أن ارتفاع سعر برميل النفط سيكون أول إشارة إنذار للرئيس الذي حاول التخفيف من أهمية هذا الأمر قائلاً إن الأسعار ستعود قريباً إلى سابق عهدها.
ثم إن أميركا هذه المرة ليست مع الحرب. 56 بالمئة من الأميركيين يعارضون أي عمل عسكري ضد إيران بحسب استطلاع للرأي أجرته NPR بعد اندلاع الحرب واغتيال المرشد السابق علي خامنئي. كما أن رأياً عاماً عابراً لليمين واليسار وصولاً إلى قاعدة ماغا الترامبية، يقول بوضوح إن أميركا تحارب بالنيابة عن إسرائيل، ذات الشعبية المنخفضة بشدة بدورها بعد الحرب على غزة.
المراهنة، من جهة ثانية، على انتصار سينمائي سريع وخاطف كالذي تحقق لترامب في فنزويلا، لا يبدو بمتناول يد الرئيس وإدارته ووزارة حربه إلا بتدخل برّي يكون في أفضل تجلياته محاولة "خطف" إسطوانات اليورانيوم المخصب عبر عمليات غير معروفة النتائج، وفي أسوأ الأحوال، اجتياح آخر لبلد آسيوي بعيد، يصعب على جون سميث العادي تحديده على الخريطة، إلا حين يُرسل ابنه إليه ليقاتل، أو يقرأ أن المستنقع الجديد الذي قفزت فيه أميركا هو المسؤول عن هذا التضخم المريع في فاتورة مشترياته اليومية، وعلى رأسها الوقود بالطبع.
نبض