الغموض شديد والمطلوب ليس واحداً: ماذا يريد ترامب من غضبه الملحمي على إيران؟
تتغير، يومياً تقريباً، أسباب الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعملية "الغضب الملحمي" التي شنتها الولايات المتحدة على إيران، وتتغير بالتالي النتائج المنتظرة من هذه العملية.
فترامب الذي لديه مهارة فائقة في قول الشيء ونقيضه، في مواضيع أقلّ أهمية كثيراً من الهجوم على بلد بحجم إيران، تابع استخدام "استراتيجية" التناقضات هذه، في أول "حرب" يخوضها تحت مسمّى أقلّ رسمية لتجنب المرور بالكونغرس، وعدم صدم الرأي العام الأميركي الذي بمعظمه لا يريد خوض حروب أخرى بعيدة، من دون فرق في ذلك إن كان من مناصري ترامب أو خصومه. وإلا، فإن لم تكن هذه هي الحرب، فكيف تكون إذن؟
أهم أسباب ترامب للعملية التي تحضرت لها القوى العسكرية الأميركية منذ أشهر كان شعوره القوي جداً بأن هؤلاء المجانين (الإيرانيين) كانوا سيبادرون إلى الهجوم أولاً. في محطة تالية، قال إنه لا يعنيه إلا "حرية الشعب الإيراني"، ليعود فيقول إنه كان مستعداً للتفاوض مع سلطة بديلة من داخل النظام. لكن، لسوء الحظ، الهجوم الذي أودى بحياة المرشد علي خامنئي والعشرات من الصف الأول في القيادة الإيرانية جعلت هذا الخيار صعباً إن لم يكن مستحيلاً. لطالما كان السلاح النووي الإيراني، ومعه الصواريخ الباليستية وأذرع الجمهورية الإسلامية المظلة الواسعة للسياسة الأميركية - الإسرائيلية في مقاربة الملف الإيراني. لكن ترامب، وكي يضيف الكمية الملائمة من الملحمية على الغضب الأميركي، ذكّر بدماء آلاف الأميركيين على أيدي النظام "الشرير"، مسترجعاً أزمة الرهائن التاريخية في عام 1979.
لماذا أطلق العملية إذن؟ وما هي الخيارات التي ترضيه لإنهائها؟ التيه نفسه الذي تعيشه القيادة الإيرانية حالياً، أو ما تبقى منها، يعيشه الداخل الأميركي. السقف الزمني مفتوح، فقد تستغرق أربعة أسابيع، وقد لا تستغرق كل ذاك الوقت، وقد تستغرق أطول من ذلك. لائحة الأهداف، التي تتوقف الحرب حين تتحقق هدفاً بعد الآخر، هي كذلك مبهمة. وحتى الشرط المقدس لعدم وطء الجنود الأميركيين الأرض البعيدة، أي عدم التوغل برياً، لم يعد "تابوه" عند ترامب غير المضطر إلى إلزام نفسه بخطة عمل في حروب قد يواجَه لاحقاً بأنه فشل في تطبيقها، بينما يمكنه أن يقرر، في أي لحظة من الحرب، أن يكتفي بما تحقق، ويعلن انتهاءها بانتصار آخر، هائل.

ومع أن الحرب لا تزال في أيامها الأولى، فإن استعراض القوة العظمى قدراتها العسكرية يسير حتى اللحظة وفق ما يشتهي ترامب تماماً، بجيشه كامل الجهوزية والتفوق العسكري، بعدما كان قد وصل في أيام الديموقراطيين، ومعه صورة أميركا برمتها، إلى حضيض الهيبة. لكن، وكما يستحيل توقع ترامب، يستحيل توقع الشكل الذي ستنتهي عليه الحرب. ورغم الفارق المرئي بالعين المجردة للقوة بين إيران من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة ثانية، فإن الاعتماد على السماء وحدها لإسقاط نظام معقد بتركيبته مثل الذي يحكم طهران لا يبدو سيناريو واقعياً، وإن لم يكن خيالياً بالمطلق أيضاً. الاعتماد على ثورة شعبية يبدو بدوره تفاؤلاً زائداً تحت وابل الصواريخ والغارات. هدف آخر مأمول هو انقلاب سياسي للنظام على نفسه، حين يعجز عن تحمل الجحيم الأميركي - الإسرائيلي المشترك، يقوده إلى استسلام تام لشروط أميركا التي قد لا تقف حينها عند اللاءات الثلاث، البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والأذرع الإقليمية، بل قد تتخطاها إلى شروط أحلاها أشد مرارة من أن يطيقه النظام الإيراني، كتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، وإرساء نظام سياسي ديموقراطي تمثيلي… وإلى آخره مما قد تجترحه المخيلة الأميركية لمصير بلد مهزوم.
هكذا، ومع ترسانة من الأسلحة المرعبة التي دخلت في المعركة، تلك التي يخبئها البنتاغون لأعدائه لإظهاراها تباعاً، يبدو ترامب حتى اللحظة أكثر ارتياحاً من أي وقت مضى في التعاطي مع "الصفقة" الإيرانية؛ وكرجل أعمال ناجح، ليس مستعداً لتحديد مكاسبه مسبقاً، والتي على رأسها تخليده كبطل أميركي خالد. إيران، في المقابل، تساعده بإطلاق النار على قدميها عبر استعداء الخليج والتضحية بحلفائها الإقليميين من خلال إقحامهم في حروب خاسرة سلفاً. لكن الكلمة العليا، حرفياً هذ المرة، للميدان، وما على الرئيس الأميركي حالياً إلا الفرجة على الفيديوات السرية والعلينة التي يعرضها له البنتاغون بفخر، والتفكير في الخروج من الحرب بأكبر مكاسب ممكنة، وبصفر أضرار سياسية.
نبض