لماذا يلتزم ترامب الغموض حيال إيران؟
في خضم تصاعد التهديدات الأميركية تجاه إيران، يبرز الغموض كالسمة الأوضح في مقاربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فبين حشد عسكري لافت وغياب سردية رسمية متماسكة، تتزايد الأسئلة بشأن ما إذا كان هذا الغموض مقدمة لحرب أم أداة ضغط تفاوضي محسوبة.
فبينما يدرس ترامب توجيه ضربات لإيران، يمتنع عن تقديم مبررات واضحة لأسبابها، أو لتوقيتها، ولماذا الآن، خاصة أن الولايات المتحدة نادراً ما استعدت في العصر الحديث لشنّ عمل حربي كبير من دون تقديم مثل هذا القدر الضئيل من التفسير أو النقاش العام، بحسب "نيويورك تايمز".
في 2002، عندما بدأ الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش إعداد البلاد لغزو العراق، سافر في أنحاء البلاد موضحاً أن حكومة صدام حسين وأسلحتها تشكّل تهديداً غير مقبول لواشنطن. تبين لاحقاً أن معظم حججه كانت خيالية، وتستند إلى معلومات استخباراتية انتقائية، وفي بعض الحالات إلى ادعاءات كاذبة تماماً. ويعتبر العديد من المؤرّخين الآن أن تلك الحرب واحدة من أخطر الأخطاء الاستراتيجية الأميركية في العصر الحديث.
لكن إذا كان بوش قد قدم حججاً كاذبة، فإن ترامب، بحسب ما رأت الصحيفة الأميركية، لم يقدم أي حجج على الإطلاق.
صحيح أن ترامب يركز بشكل كبير على برنامج الأسلحة النووية، إلا أنه ومساعديه ذكروا في مناسبات مختلفة مجموعة من الأسباب الأخرى لاتخاذ إجراء عسكري: حماية المتظاهرين الإيرانيين من قمع السلطات خلال الاحتجاجات الأخيرة، والقضاء على ترسانة الصواريخ، وإنهاء دعم إيران لوكلائها في المنطقة.
في غزو العراق، حظي جورج دبليو بوش بدعم واسع من حلفاء غربيين، خصوصاً بريطانيا، ضمن تحالف وخطة سياسية معلنة. اليوم، يختلف المشهد جذرياً مع ترامب، إذ لا يشارك أيّ حليف فعلياً في التخطيط العسكري ضد إيران، باستثناء إسرائيل، وسط تحفظ بريطاني، وغموض لدى حلفاء حلف شمال الأطلسي الذين يشكون بغياب مبررات مقنعة للتصعيد.

يرى رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية عماد سلامة أن هذا الغموض يعكس نهجاً تفاوضياً محسوباً أكثر مما يعكس ارتباكاً سياسياً. ويقول سلامة لـ"النهار" إن "إدارة ترامب تمارس سياسة معقّدة، تقوم على حشد أدوات الضغط العسكري من دون الالتزام علناً بمبررات نهائية أو بسردية قاطعة تقيّد هامش المناورة". ويشير إلى أن "هذا الأسلوب يمنحها أفضلية تفاوضية، إذ يترك جميع الخيارات مفتوحة: إمّا الانخراط في صفقة عندما تنضج الظروف، أو إطالة أمد التفاوض واستنزاف الطرف المقابل"، إذا اقتضت الحاجة. إذاً، الغموض هنا ليس فراغاً في الرؤية، بل أداة ضغط تسمح لواشنطن بتفادي الانزلاق في مسار أحادي نحو الحرب.
في الوقت نفسه، إذا اتُّخذ قرار الحرب، فإن "الإدارة تمتلك بالفعل حزمة متكاملة من المبررات القابلة للتسويق داخلياً وخارجياً: ملف أسلحة الدمار الشامل، البرنامج النووي، قضايا القمع الداخلي، ودور إيران في زعزعة الاستقرار الإقليمي"، وفقاً لسلامة.
هذه العناصر تشكّل أرضية جاهزة لتبرير أي تصعيد عسكري. لكن الاحتمال الآخر لا يقل أهمية، إذ قد يكون الهدف النهائي صفقة أوسع تتجاوز البعد النووي لتشمل مكاسب اقتصادية واستثمارات أميركية وإعادة إدماج مشروط في الاقتصاد العالمي. من هنا، يبدو الغموض "استراتيجية تفاوضية مرنة أكثر منه اندفاعاً غير محسوب نحو مواجهة مفتوحة".
نبض