"مجلس السلام" يلتئم في واشنطن تحت عباءة ترامب… ومفارقاته العديدة
وقف رئيس أذربجيان إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشنيان بعدما طلب منهما الرئيس دونالد ترامب ذلك خلال شرحه كيفية إنهائه حرباً استمرت 32 سنة بين بلديهما في دقائق، حين اجتمع بهما في مكتبه البيضاوي وكانا متباعدين فجعل أحدهما يقترب من الآخر تدريجاً إلى أن تعانقا ووقّعا اتفاق سلام.
الطلب من الرئيسين الوقوف كان جزءاً من الخطاب الذي ألقاه ترامب في الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام في واشنطن العاصمة الخميس. الخطاب الطويل الذي مزج فيه ترامب كعادته بين الكلمة المكتوبة والارتجال ومديح زعماء الدول الحاضرة وممثليها والمزاح معهم كل بحسب المعروف عنه وعن بلده، والكثير من الكلام المسترسل عن إنجازاته خلال سنة في الحكم، وأهمّها إنهاؤه ثماني حروب، بينما تستعصي عليه التاسعة، الروسية-الأوكرانية على الأرجح.
ومع أن التمثيل القيادي لم يكن بحسب آمال ترامب الذي كان يتطلع إلى أن يكون محاطاً بالصف الأول من الزعماء، وخاصة حلفاء أميركا المفترضين في أوروبا، لم يقلّل للحظة من تاريخية الاجتماع ومن الأهمية شبه المطلقة للمجلس.
ترامب الذي وصل إلى غزة بعد مقدمته الطويلة في العلاقات العامة، وعد بسبعة مليارات دولار من دول عديدة، منها عربياً الإمارات وقطر والمغرب وبآلاف الجنود من العالم الذين سينضمّون إلى قوة الاستقرار الدولية، إضافة إلى الفيفا الذي سيجمع نحو 750 مليون دولار ويجلب لاعبي كرة قدم مشهورين إلى غزة، شاكراً رئيسه جياني انفانتينو الجالس بين ممثلي الدول.

سلام وحرب
مفارقات عديدة رافقت اجتماع مجلس السلام. الأربعاء الفائت، كان الإعلام قد انطلق في سباق تكهنات حول موعد الهجوم المرتقب على إيران، بلغ أكثرها حماسة احتمال اندلاعها خلال ساعات.
مفارقة السلام - الحرب هذه، تدل على الطريقة الفريدة من نوعها للرئيس الأميركي في إدارة الأزمات، محلية كانت أو خارجية لا فرق.
وفي كلمته أمس، أمهل طهران عشرة أيام لإبرام "صفقة مجدية" في المباحثات الجارية بين الطرفين أو مواجهة "أمور سيئة".
مفارقة ثانية تكمن في أن المجلس الذي أُسّس بقرار من مجلس الأمن لإنقاذ غزة وسكانها بعد الحرب الطويلة عليهم، عُقدت جلسته الافتتاحية، بعد مصادقة الحكومة الإسرائيلية على مشروع قرار يسمح بتسجيل مناطق واسعة في الضفة الغربية على أنها أراضي دولة. وبينما حذرت دول عربية من خطورة هذا القرار، غضّت إدارة ترامب النظر تماماً. أميركا تحقق السلام في غزة وحدها. الضفة حديث آخر.
أما المفارقة الثالثة فكانت في حجم حضور الاجتماع ونوعيته ورمزية التمثيل. الولايات المتحدة دعت رؤساء ستين دولة، وقال ترامب في تصريح سابق إنه سيحضر "جميع قادة العالم". الرقم الرسمي المعلن كان أربعين دولة. بريطانيا وفرنسا وألمانيا والمفوضية الأوروبية رفضت المشاركة اعتراضاً. في المقابل، حضرت دول بصفة مراقبة، وبدا غير مفهوم تماماً سبب وجود دول أخرى في المجلس، ما خلا أن زعماءها على ودّ مع ترامب، مثل المجر والأرجنتين.
المجلس نفسه يبدو أقرب إلى نادٍ تحتاج العضوية الدائمة فيه إلى اشتراك سنوي يبلغ مليار دولار، مع عرض أول ثلاث سنوات مجاناً للأعضاء الموقتين. هذا النادي الذي انطلق رسمياً من "معهد دونالد ترامب للسلام" (كان حتى كانون الأول/ ديسمبر الفائت يحمل اسم معهد الولايات المتحدة للسلام)، تتخوّف جهات أممية وأوروبية من أن يسوّق له ترامب بديلاً من الأمم المتحدة معيقاً آليات عمل هذه المنظمة في مناطق النزاع، خاصة أن ترامب يقدّمه كمنصّة لمعالجة النزاعات العالمية من الحرب الروسية الأوكرانية إلى أي صراع مستقبلي يمكن للمجلس فضه، "بإمكانياته غير المحدودة".
والرئيس الأميركي سيستمر بالتسويق للمجلس بصفته نجاحاً باهراً، بدءاً من تأسيسه إلى إطلاقه وما سيحققه من سلام وإنماء ورخاء في غزة. والأرجح أن يأخذ حيّزاً من خطاب حال الاتحاد الثلاثاء المقبل في الكونغرس، الذي سيستعرض فيه عاماً طويلاً من الحكم وجهوده الحثيثة على الصعد كافة، من عودة أميركا إلى مسرح العالم من موقع الريادة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، إلى الحشد العسكري الهائل في الشرق الأوسط، الذي إذا أطلق النار في الأيام القليلة الباقية قبل الخطاب، سيكون قد صنع المفارقة الرابعة غير المسبوقة لترامب الذي سيكون الخميس "رئيس السلام" ويصير الثلاثاء "رئيس الحرب".
نبض