متلازمة هافانا إلى الواجهة مجدداً… أجهزة وتجارب سرية وأسئلة عن أسلحة بيولوجية
عادت متلازمة هافانا الغامضة إلى الواجهة من خلال معلومات جديدة تم التوصّل إليها، قد تربط خيوطاً تؤدي إلى نتائج جديدة تكشف حقيقة ما بدأ في العاصمة الكوبية، وانتقل إلى مناطق أخرى حول العالم. وللتذكير، فإن متلازمة هافانا هي عبارة عن مشكلات صحية عاناها ديبلوماسيون أميركيون في كوبا، بينها الصداع النصفي والشعور بالدوران وغيرها، ولم تعرف حقيقتها بعد.
في تحقيقات سابقة أجرتها الاستخبارات الأميركية، لا سيما وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، تم استبعاد فرضية وقوف دولة أجنبية خلف ما حصل في هافانا. لكنّ حدثين منفصلين كشفتهما صحيفة "واشنطن بوست" يعيدان إلى الاحتمالات فرضية التورط البشري وأجهزة التجسس في التسبّب بموجات طاقة أدّت إلى المشكلات الصحية، وبالتالي إمكانية وقوف دولة أجنبية خلف متلازمة هافانا.
خطأ عالم نروجي
وفق "واشنطن بوست"، قام عالم حكومي في النروج ببناء جهاز قادر على بث نبضات قوية من طاقة الموجات الدقيقة، وذلك في سرية تامة، محاولاً الإثبات أن هذه الأجهزة غير ضارة بالبشر. قام بتجربتها على نفسه عام 2024، وقد عانى أعراضاً عصبية مشابهة لأعراض "متلازمة هافانا"، مع العلم أن هذا العالم كان معارضاً لنظرية تسبّب أسلحة الطاقة الموجهة بأعراض التهاب الدماغ.
واللافت في الجهاز النروجي أنه مبني استناداً إلى "معلومات سرية"، ما يشير إلى أنه مستمد من مخططات أو مواد أخرى مسروقة من حكومة أجنبية، وفق ما أفاد مصدر للصحيفة الأميركية، خصوصاً أن العالم كان خبيراً حكومياً.
لم يُكشف عن هذا الاختبار السرّي في النروج سابقاً، ونقلت الصحيفة الأميركية عن شخصين أن الحكومة النروجية أبلغت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بالنتائج، ما دفع مسؤولين من البنتاغون والبيت الأبيض إلى زيارة النروج مرتين على الأقل عام 2024. لكن مصدراً قال إن عوارض العالم النروجي لم تكن مطابقة تماماً لعوارض متلازمة هافانا.
إلا أن عدم مطابقة العوارض لم يعن وقف التحقيقات. فالحادث النروجي عزّز فرضية أن أجهزة الطاقة الكهرومغناطسية التي تصدر موجات دقيقة قادرة على التأثير على بيولوجيا الإنسان، ويُحتمل أن خصوم الولايات المتحدة يعملون على تطويرها. ويتخوّف خبراء في الأسلحة البيولوجية من أدلّة كثيرة حيال قدرات بناء سلاح طاقة موجهة قادر على إحداث مخاطر متنوعة على البشر.
جهاز مشبوه اشترته واشنطن
جديد محاولات الكشف عن أسباب متلازمة هافانا لم يتوقف عند الباحث النروجي. فقد كشف تقرير "واشنطن بوست" نفسه أن الحكومة الأميركية اشترت خلال نهاية عهد الرئيس الأميركي جو بايدن، سراً، جهازاً أجنبي الصنع يُصدر موجات راديوية نابضة. ويشتبه بعض الخبراء في ارتباطه بحوادث إصابات الرأس الحادة، وفقاً لمصدرين مطلعين على الأمر.
واشترت إدارة التحقيقات الأمنية التابعة لوزارة الأمن الداخلي الأميركية الجهاز بملايين الدولارات، وتجري وزارة الدفاع الأميركية اختباراً على هذا الجهاز الذي يحتوي على بعض المكونات الروسية الصنع. لكن الحكومة الأميركية لم تحدد تحديداً قاطعاً بعد الجهة المصنعة له، بحسب أحد المصدرين. ووفق مصدر، فإن الجهاز لم يكن مطابقاً لذلك الذي صنعه العالم النروجي.
تقييمات استخباراتية
عام 2022، أصدرت وكالة "سي آي إيه" تقييماً أولياً خلص إلى أنه "على الأرجح" لا دول أجنبية وراء متلازمة هافانا. وذكر مسؤولون أميركيون أن محادثات تم اعتراضها سُمع فيها خصوم الولايات المتحدة يعربون عن دهشتهم من حوادث هافانا وينفون تورطهم فيها. لكن هذا التقييم صدر قبل أسابيع من إصدار لجنة خبراء حكومية وغير حكومية تقريراً توصل إلى استنتاج مختلف تماماً.
خلصت تلك اللجنة في شباط/فبراير 2022 إلى أن الطاقة الكهرومغناطيسية النبضية، وخاصة في نطاق الترددات الراديوية، "تفسر على الأرجح الخصائص الأساسية للحالات المبلغ عنها" بمتلازمة هافانا. وشكّل هذا الاستنتاج المرة الأولى التي يُقر فيها تقرير صادر علناً عن الحكومة الأميركية بأن الأعراض قد تكون ناجمة عن أحداث من صنع الإنسان.
في المحصلة، فإن متلازمة هافانا التي أُعلن عن ظهور عوارضها الصحية في أماكن كثيرة من العالم مثل الصين وألمانيا وأستراليا وروسيا والنمسا، قد تكون نتيجة أجهزة تجسّس، وقد تكون ناجمة عن ظواهر بيئية وطبيعية، لكنها تفتح باباً واسعاً على نقاش بشأن الأسلحة البيولوجية والأعراض الجانبية لأجهزة التجسس الحديثة.

نبض