كيف خسرت كوبا سباقها مع الزمن؟
"كوبا اليوم هي سيّدة نفسها. شعبها مستقل وحرّ ومزدهر".
على المرء أن يعود كثيراً إلى الوراء كي يربط كوبا بالازدهار. بالفعل، كانت هذه كلمات أول رئيس أميركي يزور الجزيرة: كالفين كولين. حدث ذلك سنة 1928. حينها، تظاهر كولين أمام مضيفه الرئيس جيراردو ماشادو بأنه مأخوذ بجمال لوحة معلّقة على أحد جدران قصره، كي يتفادى عربة متوجهة إليه لتقديم الكحول. كان التعديل الثامن عشر آنذاك يمنع تصنيع وبيع المشروبات الروحية في الولايات المتحدة. تختلف الأزمة سريعاً.
اليوم، تعاني كوبا من وضع اقتصادي خانق. ولا يُعزى السبب فقط إلى إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وقطع الشريان النفطي الكوبي باتجاه هافانا.
"عاصفة مثالية"
منذ جائحة "كورونا"، أصبح الناتج القومي الكوبي سلبياً وبلغ ناقص 1.1 في المئة سنة 2024 مع احتمال أن يكون قد تدنى إلى ناقص 1.5 في المئة السنة الماضية. وبلغ عدد السياح الآتين إلى الجزيرة نحو 1.8 مليون سائح سنة 2025، بالمقارنة مع 2.4 مليون سنة 2023، ونحو 4 ملايين قبل الجائحة. حرم ذلك كوبا من العملة الصعبة. وانقطاع التيار الكهربائي كان مزمناً حتى قبل 2020. إذاً، بدت النذر واضحة أمام هافانا منذ فترة طويلة. كل ما فعله الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه جعل العاصفة "مثالية".
وبعد أيام على اعتقال مادورو، هدد ترامب كوبا بأحرف كبيرة: "أقترح عليهم أن يبرموا اتفاقاً، قبل فوات الأوان".
"نحن مستعدون للانخراط في حوار"، قال وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز الاثنين. لكنه شدد على أن بلاده لن تتحاور تحت الضغط. قدرة هافانا على الصمود مشكوك بها. في 29 كانون الثاني/يناير الماضي، ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" أن مخزونات النفط لدى كوبا تكفيها لمدة 15 أو 20 يوماً. إذاً، ينفد الوقت بسرعة.
يعتقد البعض أن كوبا في وضع يشبه ذاك الذي وجدت نفسها فيه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتوقف مساعداته الحيوية. عُرفت تلك الفترة الصعبة بـ "الحقبة الخاصة". هذا هو الجانب "المتفائل" من القصة. الجانب المتشائم عرَضَه أستاذ العلوم السياسية في جامعة أمهرست الأميركية خافيير كوراليس: يواجه اقتصاد كوبا "أعظم انهياره، ربما منذ استقلالها سنة 1902". وهذا كان تقييمه في تشرين الأول/أكتوبر 2024.
إغراء خسر بريقه
لهذه الأسباب، يحق للمراقبين التساؤل عما إذا كان ترامب جاداً بعرض التفاوض على حكومة يدرك أنها آيلة إلى الانهيار. فربما كان الهدف من اعتقال مادورو سلوك الطريق الأقصر والأكثر أماناً نحو إسقاط الرئيس الكوبي ميغال دياز كانيل. في نهاية المطاف، كوبا "أخطر" على الولايات المتحدة من فنزويلا، أقله عند النظر إلى موقعها الجغرافي. هي تبعد نحو 150 كيلومتراً فقط عن فلوريدا. وبين فنزويلا وكوبا رابط من "الأخوة البوليفارية" تَعزّز مع وصول هوغو تشافيز إلى الحكم ودعمه هافانا بمواجهة "الحقبة الخاصة". شطرَ ترامب تلك الأخوّة، وبالتحديد، العلاقة التكافلية في معادلة "الأمن مقابل الاقتصاد". مع "الحزم المطلق"، تبيّن أن الأمن الكوبي، تماماً كالاقتصاد الكوبي، بالغ الهشاشة.
بالتالي، أضحت هافانا عاجزة عن تقديم أي مكسب كبير للأميركيين، بالتوازي، على سبيل المثال والمقاربة، مع عجزها عن تقديم خدمة إعادة تعبئة الطائرات بالكيروسين. مخرجها الوحيد حالياً هو إغراء ترامب بصفقة جديدة. لكن حتى ذلك قد يكون خارج اهتماماته. خسرت كوبا، أو تكاد، سباقها مع الزمن.
نبض