تزييف وثائق إبستين يطغى على كشفها… ممداني وهوكينغ ومؤامرات وأرض مسطحة
مايكل رابابورت ممثل أميركي، لم يأخذ، في أقصى أدواره طموحاً، أكثر من دور مساند. هذا الخمسيني النيويوركي اليهودي، الذي من الصعب تذكّر اسمه، أو أيّ دور سابق له، إذا ما التقاه مشاهد صدفة في فيلم أو مسلسل، يعيش حياة موازية من الشهرة على وسائل التواصل الاجتماعي. لماذا؟ لأنه بداية كان يسجل فيديوات لنفسه متجولاً في شوارع نيويورك، شاتماً دونالد ترامب ببذاءة من النادر الإتيان بمثلها في الدقائق القليلة التي يظهر فيها في وصلة من الشتائم المتتالية.
بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، انتقل رابابورت من ترامب إلى غزة، شاتماً "حماس"، ومختصراً العرب والمسلمين بأقذع الأوصاف العنصرية. لم يطالب بإبادة عناصر الحركة الفلسطينية فحسب، بل بتجريد الأطفال الفلسطينيين من ملابسهم الداخلية لأنهم مغسولو الدماغ، يظنون أنهم (مشاريع) شهداء.
هو، ببساطة، واحد من المعتوهين الذين تمتلئ بهم شوارع المدن الأميركية الكبرى، لكنه ذو تأثير شديد بسبب قرابة الـ 8 ملايين متابع عبر وسائل التواصل مجتمعة، أكثرهم (4.5 ملايين متابع) في تيكتوك.
رابابورت لم يتردد في إعادة نشر صورة مفبركة بالذكاء الاصطناعي، نشرها في البداية موقع ساخر، لعمدة نيويورك زهران ممداني رضيعاً، تحمله والدته، بالقرب ممن تحوّلوا إلى الجوقة الرسمية للصور المزيفة التي انهال عدد لا يحصى منها تزامناً مع إفراج وزارة العدل الأميركية عن الملايين الثلاثة من الوثائق المرتبطة بالمدان بتهم اغتصاب أطفال والإتجار الجنسي بهم، جيفري إبستين. أما الرباعي فهم بالطبع: إبستين وبيل كلينتون وجيف بيزوس وبيل غايتس.
رابابورت، شأنه شأن جيوش مجيّشة من اليمين الأميركي الكاره للعمدة المسلم الديموقراطي الاشتراكي، والهندي الأصول فوق الدكّة، استغل لحظة الهستيريا العالمية عامة، والأميركية خاصة، للتشهير بخصم إيديولوجي، يرى في وصوله إلى عمادة أكثر المدن أيقونية على سطح الكوكب مقدّمة لسيطرة "الشريعة" و"الانتفاضة"، وغيرها من المصطلحات المنفرة لمسامع اليمين، على أميركا برمتها. ومع ترجيح معرفته بأن الصورة مفبركة، فإن رميها في السوق الهائلة للسوشال ميديا سيجد بلا شك من يصدّقها، ويعرّي ممداني من آخر ورقة توت "اشتراكية"، ويضمه إلى سلسلة المؤامرت الكبرى، التي تبدأ بحكومة خفية تحكم العالم وتتحكم به وتنتهي بأن زعماء ديموقراطيين يقيمون أسفل بيتزا في واشنطن العاصمة مذبحاً يخطفون الأطفال إليه، حيث يمارسون عليهم شعائر شيطانية، ويستخلصون من دمائهم إكسيراً لتجديد شبابهم.
الأرض مسطحة إذن!
الممثل برغيٌّ في آلة حرب التضليل الهائلة التي أفلتت على غاربها منذ نحو أسبوع. وبدلاً من أن تكشف هذه الوثائق حقائق جديدة محتملة عن الشبكة التي كان إبستين يدير خطاياها ونجومها النافذين، فتحقق العدالة لمئات الضحايا، باتت الوثائق مناسبة لواحدة من أوسع عمليات التضليل والبروباغاندا في بلد يفتخر بحرية الرأي وحق الجمهور بالوصول إلى المعلومة الحقيقية.
صورة العالم الراحل ستيفن هوكينغ، خارج كرسيه، ممدداً على كنبة شاطئ، مبتسماً للكاميرا، تحيط به امرأتان بالبكيني، تقدّم واحدة منهما كأس كحول، (هذه الصورة) والتي يمكن تمييز زيفها باستخدام أقلّ آليات منطق الأمور، باتت دليلاً عند مريدي نظريات المؤامرة بأنه يدّعي إصابته بمرض التصلب الجانبي الضموري، وأنه يحتسي المادة المستخلصة من دماء الأطفال للحفاظ على شبابه، وأنه منحرف جنسيّ وجزء من "النخبة الفاسدة"، إلى جانب إبستين و"الناسا" و"الألوميناتي"، التي مهمتها السيطرة على العقول عبر شرائح زرعتها في اللقاحات.
هذا العالم "الساقط"، وفي إطار المؤامرة الكبرى، روّج لنظريات الانفجار الكبير والأرض الكروية وغيرها من الخزعبلات مثل الفضاء والكواكب والمجرات وغيرها. أما وقد كشفته الصورة، فقد قضي الأمر بأن الأرض مسطحة، والنزول على سطح القمر فيديو مسجّل في إحدى صحارى أميرا، وقس على ذلك.

فلنتراشق بالاتهامات
الضحيتان الكبيرتان للتزيف كانا ممداني وهوكينغ، وكلاهما وجد من يدافع عنه بالطبع، وبالأخص برامج الذكاء الاصطناعي التي كذبت الصور التي خلقتها هي بنفسها بأوامر بشرية. لكن ما وقع قد وقع، والتضليل طغى على الوثائق وطمرها. وما بدأه مروجو نظريات المؤامرة أكمله الخصوم الديمواقرطيون والجمهوريون بالتراشق بالاتهامات بالعلاقات الدافئة مع إبستين الجالب للخزي والعار لكل من عرفه من غير ضحاياه. الرئيس دونالد ترامب اعتبر أن الوثائق تبرّئه تماماً، بينما تبرز أن كلينتون كان ضالعاً في صداقة إبستين. خصومه يتهمون وزارة العدل بإخفاء معلومات عنه تتضمنها الملايين الثلاثة التي لا تزال محجوبة، ويقولون إن الرئيس كان على علم بأمر الإتجار الجنسي بالقاصرات، وأنه قضى ساعات في منزل إبستين مع إحدى الضحايا. ترامب يقول إن قدمه لم تطأ قط جزيرة إبستين. خصومه يقولون العكس. وفي خضم كلّ هذا التيه، تبدو الحقيقة الوحيدة التي تكشفها ملايين الملفات هي أن ما حدث في الجزيرة قد يبقى، إلى الأبد، في الجزيرة.
نبض