3 ملايين وثيقة لا تثقب فقاعة جيفري إبستين الحديدية… حكاية فساد أميركي

3 ملايين وثيقة لا تثقب فقاعة جيفري إبستين الحديدية… حكاية فساد أميركي

الخلل البنيوي في النظام القضائي، الذي عقد صفقة مع المدان باغتصاب قاصر، حكم بموجبها 18 شهراً في العام 2008، أمضى منها 13 شهراً في السجن، وكان يخرج خلالها 12 ساعة إلى منزله يومياً لستة أيام في الأسبوع.
3 ملايين وثيقة لا تثقب فقاعة جيفري إبستين الحديدية… حكاية فساد أميركي
ملصق على جدار في نوك، عاصمة غرينلاند، يظهر فيه إبستين وترامب مع عبارة "نعم للناتو، لا للبيدوفيليا". (أ ف ب)
Smaller Bigger

ثلاثة ملايين وثيقة أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية الجمعة الفائت. 


هذا الرقم المذهل لا يتعلق بمشروع مانهاتن السري لتطوير السلاح النووي، الذي سيرمى مرتين لاحقاً على اليابان على مشارف نهاية الحرب العالمية الثانية ويغيّر وجه كوكب الأرض إلى الأبد. هو ببساطة مجموعة الرسائل الإلكترونية والفيديوات والصور والتحقيقات التي تتعلق بمستثمر أميركي فاحش الثراء، مدان بتهم اغتصاب متسلسل لقاصرات، ومتهم بإدارة شبكة دعارة لعب فيها دور قوّاد، زبائنه لا يقلّون ثراء ونفوذاً عن أندرو ويندسور، شقيق تشارلز الثالث، الملك الحالي لبريطانيا العظمى، وملك التكنولوجيا بيل غيتس، واليميني المتشدد ستيف بانون، والرئيس السابق بيل كلينتون، ووزير التجارة الحالي هوارد لوتينك، وملوك آخرين للروك مثل مايكل جاكسون، والفيزياء مثل ستيفن هوكينغ، إضافة إلى رجلي الساعة، وكلّ ساعة، دونالد ترامب وإيلون ماسك. 


النساء الضحايا، أو الناجيات كما باتت الصوابية السياسية تسمّيهن، عدد لا يحصى من المجهولات، اللواتي ينتمين إلى نوعين من سوء الحظ، الأول هو وضعهن الاجتماعي الاقتصادي المضطرب، والثاني وقوعهن في شبكة عنكبوت الأصابع الطويلة لجيفري إبستين، التي تتشابك فيها خيوط لا تنتهي من خطايا النفس البشرية من الذكورة إلى السياسة إلى الرغبات المريضة لفاحشي الثراء والنفوذ، ونرجسيتهم وتضخم أناهم واحتقارهم العميق لكل من هو برأيهم أضعف وأكثر هشاشة، والذي هو في حالتنا هذه قاصرات تكفي أن تخوض واحدة منهن تجربة يتيمة بتدليك كهل عارٍ مثل إبستين، ليجبرها على ممارسة الجنس معه وتدمير ما تبقى من حياتها بعد ذلك.

 

 

الأمير أندرو، نجل ولي العهد البريطاني، جاثيًا فوق امرأة، وذلك ضمن مجموعة جديدة من الوثائق التي كشفت عنها تحقيقاتها في قضية الممول الراحل والمدان بالاعتداء الجنسي جيفري إبستين.
الأمير أندرو، نجل ولي العهد البريطاني، جاثيًا فوق امرأة، وذلك ضمن مجموعة جديدة من الوثائق التي كشفت عنها تحقيقاتها في قضية الممول الراحل والمدان بالاعتداء الجنسي جيفري إبستين.

 

ثلاثة ملايين وثيقة هي للمفارقة نصف الكمية النهائية التي فرض الكونغرس، ووافقه ترامب، على وزارة العدل الأميركية كشفها. الدفعة الباقية من الحساب، الثلاثة ملايين وثيقة الأخرى من المحتمل ألا ترى النور، بحسب الإعلام الأميركي، الذي رجح أن تكون هذه الدفعة الأخيرة التي لم ترض، في شقها السياسي، الحزب الديموقراطي، وفي شقها الإنساني الأخلاقي الحقوقي الناجيات اللواتي اعتبرت مجموعة منهن في بيان أن الكشف الجديد الذي يدعى الشفافية إنما يعرض حياتهن للخطر عبر الكشف عن أسمائهن وتفاصيل حياتهن، بينما يُبقي الرجال الذين استغلوهن طيّ الكتمان.
ملفات إبستين، بل الفقاعة الكبرى التي تحيط بحكاية هذا الرجل، الذي انتهى منتحراً في زنزانة من المفترض أنها تخضع لأقسى معايير المراقبة لمنعه تحديداً من الانتحار، هي في الأصل حكاية فساد المنظومة الأميركية. الخلل البنيوي في النظام القضائي، الذي عقد صفقة مع المدان باغتصاب قاصر، حكم بموجبها 18 شهراً في العام 2008، أمضى منها 13 شهراً في السجن، وكان يخرج خلالها 12 ساعة إلى منزله يومياً لستة أيام في الأسبوع، متحمّلاً أجرة حراسه من الشرطة الذين كانوا يرافقونه، وهي وظيفة كانت موضع منافسة بينهم، لمردودها العالي بطبيعة الحال. 


وهو فساد المجتمع الأكاديمي، الذي كان يتلقف تبرعات إبستين بصفتها كرماً من رجل يحب العلم، بينما كان يسمح له بصعود سلم المكانة الاجتماعية، ويفتح أبواباً يفترض أن تبقى موصدة بينه وبين نخبة لا تقلّ مستوى عن كلينتون، الذي كان على صداقة وطيدة بالرجل، يرافقه على متن طائرته الخاصة داخل أميركا وخارجها، يلهوان ويمضيان وقتاً سعيداً معاً، لكنه لم يشكّ لمرة بسلوكياته وأخلاقياته المشبوهة. كذلك ترامب، والبقية الباقية من هذه الطبقة النافذة سياسياً واقتصادياً ومجتمعياً، التي استغلّها إبستين لغايات سياسية ومالية، وتلاعب بها وراح ضحيتها في نهاية الأمر.


وهو أيضاً الفساد السياسي، الذي استطاع رجل مثل إبستين اللعب على حبال تناقضاته ونزاعاته للنفاذ هذه الأعوام من العدالة، إن بجرائمه الشخصية أو بالأخرى المنظمة، ونفاذ عدد لا يحصى من زبائنه وأصدقائه معه، وإن لم يواجهوا المصير القاتم له، وهو يتدلّى من عنقه المربوط  بغطاء بحافة السرير. هي حكاية فساد أميركي لن تصححه ثلاثة ملايين وثيقة، ولا ضعف هذا الرقم من الوثائق التي كلما تدفق المزيد منها ازداد غموض هذه الحكاية، وازداد بعدها عن مفهومين أساسييين لن يصل أحد إليهما: الحقيقة والعدالة، هاتان اللتان لن تأخذا مجراهما قط. 


الأكثر قراءة

المشرق-العربي 2/1/2026 11:18:00 AM
أدّت هذه العمليات إلى تفكيك الخلية بالكامل وإلقاء القبض على جميع أفرادها...
كتاب النهار 2/1/2026 4:40:00 PM
تفيد الوقائع أن عدداً كبيراً من الديبلوماسيين غادروا طهران وأقفلوا أبواب سفاراتهم موقتاً، "ولا يعني هذا الإجراء قطع علاقات".
لبنان 1/30/2026 11:14:00 AM
بيان لوزارة التربية والتعليم العالي... ماذا جاء فيه؟
سياسة 2/1/2026 7:40:00 PM
استهداف جديد في الجنوب والمستشفيات تحذّر: تصعيد إسرائيلي متواصل يسفر عن شهداء وجرحى وتهديد للقطاع الصحي