هل "بَوْتَنَ" ترامب سياسة أميركا الخارجية؟
انطلقت الفكرة مع المحلل السياسي الأميركي ديفيد روثكوبف. بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كتب روثكوبف في موقع "ديلي بيست" أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أخذ "بَوْتَنَة" السياسة الخارجية الأميركية إلى مستوى ثانٍ. المقصود بالعبارة (Putinization)تبني البيت الأبيض الرؤية العالمية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والقاضية بتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ خاضعة لإرادة القوى الكبرى.
سريعاً، استشهد جوليان بورغر في صحيفة "الغارديان" بالفكرة ووضعها عنواناً لمقاله. كذلك، عنون المفكر سلافوي جيجيك مقاله بكلمات شبيهة، فسمى الرئيس الأميركي "دونالد فلاديميروفيتش ترامب"، حيث يشير الإسم الأوسط إلى بوتين، على اعتبار أن كلمة "فلاديميروفيتش" تعني بالروسية "ابن فلاديمير"، وهو أيضاً الإسم الأول لوالد الرئيس الروسي. لكن في العنوان الفرعي، كانت "بَوتنة" السياسة الخارجية الأميركية حاضرة أيضاً.
هدية؟
تساءل البعض عما إذا كان ترامب قد منح صنّاع القرار في الدول القوية الأخرى، مثل روسيا والصين، فكرة اعتقال الرؤساء. اعترض البعض على هذا التحليل. ديكر إيفليث، وهو باحث محلل من منظمة "سي إن إيه" لدراسات الأمن القومي، رأى أن موسكو وبكين تمتنعان عن عمليات كهذه لأنهما ببساطة لا تملكان الإمكانات الأميركية. فروسيا حاولت أساساً فعل ذلك في الأيام الأولى لغزو أوكرانيا لكنها فشلت، بينما بنت الصين نسخة عن القصر الرئاسي التايواني لتدريباتها، لكن ذلك لا يوفر لجيشها الخبرة العملية، بحسب رأيه.
يستدعي النجاح الأميركي في اعتقال مادورو سؤالاً عما إذا كانت الإدارة قد استلهمت فكرتها مما حاولت موسكو فعله في كييف خلال الأيام الأولى للغزو. لكن حتى لو كانت فكرة الاعتقال أميركية بحتة، من الابتكار إلى التنفيذ، يبقى السؤال الأهم عما إذا كانت السياسة الخارجية الأميركية تستنسخ نظيرتها الروسية.

على المستوى العام، يبدو ذلك صحيحاً؛ قبول ترامب بغالبية مطالب بوتين في أوكرانيا، والغموض الأميركي لجهة الدفاع عن تايوان، وتفكير واشنطن بالسيطرة على غرينلاند، هي أمور تدعم فرضية وجود نظرة لدى ترامب شبيهة بنظرة بوتين. لكن عند هذا الحد، تنتهي نقاط التشابه.
ليست محميّة
يبدو أن الإدارة الأميركية تستعد لوجستياً لضرب إيران، وهي تراقب طريقة تعاملها مع المتظاهرين. يعني ذلك أن أميركا تفكر بالتدخل في دولة لا تقع ضمن "مبدأ مونرو"، مع العلم أن إيران هي أيضاً دولة شريكة لروسيا. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي يطالب بغرينلاند للدفاع عن بلاده بمواجهة الصين وروسيا، كما يقول. يُضعف هذا فكرة أن ترامب يستنسخ بوتين في كل سياسته الخارجية. فحتى مناطق النفوذ الروسية ليست محمية من الاقتحام أو التطويق الأميركي.
وثمة ما هو أبعد من بوتين وروسيا، وأقرب إلى الداخل الأميركي. ترامب معجب جداً بالرئيس الأميركي الأسبق (1897-1901) وليام ماكينلي. ذكر ترامب ماكينلي في خطاب التنصيب، وأعاد اسمه إلى أعلى قمة في أميركا الشمالية بموجب أوامره التنفيذية الأولى. عُرف ماكينلي بفرض رسوم جمركية مرتفعة وبتوسيع مساحة البلاد عبر ضم أراض ودول عدة بعد إلحاق الهزيمة بالإسبان. وأنشأ ترامب فندقاً على اسم الرئيس الأسبق في هاواي التي ضمتها الولايات المتحدة في عهده.

بالتالي، يعيد ترامب إحياء سياسات أميركية سابقة لبوتين. لكن عبارة "البَوتنة" وُجدت لتبقى على ما يبدو. فأول من استخدمها في ولاية ترامب الثانية كان مراسل "لوموند" الفرنسية بيوتر سمولار. حدث ذلك قبل ساعات من القمة العاصفة الشهيرة بين ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
نبض