ترامب يعيش في سعادة سياسية كبرى... الجمهوريون ليسوا كذلك
كان واحداً من أقسى أيام الرئيس الراحل مؤخراً جيمي كارتر. العواصف الرملية وسوء التخطيط وعدم التحضير الكافي، أمور جعلت محاولة تحرير رهائن السفارة الأميركية في طهران في نيسان/إبريل 1980 كارثة تامة.
الفشل الذريع حينها لم يقف عند قتلى الجنود الأميركيين، وتحطم مروحيات وعدم العودة بالرهائن. تخطاه إلى صورة أميركا، ضد النظام الإسلامي الفتي بالطبع، لكن ضد العدو السوفياتي العملاق.
بعد أشهر من ذاك الحادث الصعب، خرجت خريطة أميركا حمراء. سيل جارف حمل الجمهوري رونالد ريغان إلى الرئاسة في واحدة من أقسى هزائم الحزب الديموقراطي في تاريخه.
بعد 45 عاماً، جاء سحب رئيس دولة وزوجته من سريرهما الرئاسي مذهلاً، حتى لأشد خصوم أميركا اقتناعاً بأنها امبراطورية تتميز برعونة فائقة، وأقدام فيل حين تهوج تحطم كل شيء تدوسه، حتى أولادها.
"النظافة" التقنية في تنفيذ العملية جعل وصفها بالجراحية مبرراً. لكن الأميركي العادي لا يحب الحروب. وعادة ما يعاقب الناخب الحزب الذي يخوض حروباً خلال توليه السلطة. جيمي كارتر قضت عليه عملية فاشلة. جورج بوش الأب لم يستطع تخطي حرب استعادة الكويت من صدام حسين. باراك أوباما كان نتيجة ساطعة لحروب جورج دبليو بوش العديدة.
الآن، متخففاً بسبب انتهاء فرصه بالترشح للرئاسة، يبدو ترامب أكثر اهتماماً بإرثه من حسابات الرئاسة والحزب الجمهوري معاً. "ماغا تحب كل ما أفعل" قال مؤخراً، مضيفاً واحدة من عباراته المسلية: "أنا أحب كل ما أفعل". غير أن الجمهوريين لهم رأي آخر. فالرئيس وإدارته الصلبة المتماسكة لا يتخطيان فقط السلطة التشريعية في كل ما يفعلانه داخلياً وخارجياً. هما يتخطيان الحزب الذي يمشي بخطى مترددة إلى الانتخابات النصفية المقبلة (تشرين الأول/نوفمبر). استطلاعات الرأي حيال شعبية الرئيس هي ذاتها قبل عملية نيكولاس مادورو وبعدها. لا تزال منخفضة. التأثير المباشر للعملية على شعبيته لن يظهر مباشرة، لكن العملية فتحت عند جمهور ترامب هاجس الحروب الخارجية. صعوده لدى هؤلاء وابتلاعه للحزب الجمهوري، كان بسبب تسويقه لنفسه بأنه من محبذي العزلة الأميركية. فلنغلق حدودنا أمام المخاطر الآتية من كل صوب، إنْ مهاجرين أو حروب متنقلة حول العالم. ولنعمل على تنظيف أميركا من أوبئتها العديدة، المهاجرين والليبرالية والتضخم والجريمة وحقوق الأقليات ومراحيض المدارس. مشاكل الأميركي البعيد عن المدينة ومعضلاته. يرى أن استقراره ورخاءه الاجتماعي الاقتصادي لن يتحقق إلا هكذا، بأميركا بعيدة عن العالم.

العملية فتحت الباب على هواجس الجمهوريين. رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون ردد بعد العملية ما يشبه اللاءات: "لسنا في حرب. لسنا احتلالاً. لن نغير النظام، بل نغير سلوكه. لن يكون هناك قوات أميركية على التراب الفنزولي". بمعنى أو بآخر، يريد أن ينفي عن الإدارة نزولها في مستنقع. لكن ترامب ليس مستعداً، كما عادته، لإجابة واحدة حاسمة. "قد نفعل وقد لا نفعل"، يجيب عن أي سؤال يتعلق بخططه لمستقبل فنزويلا. لكنه واضح في موضوع أن أميركا باتت تدير شؤون فنزويلا وشجونها ونفطها الذي ستبيعه وتعطي كراكاس حصتها لتشتري بها بضاعة أميركية. العملية، عند ترامب، مجموعة من النجاحات تفترض أنها تصب في صالح جمهورها. لكن هذا، في ختام السنة الأولى من عمر الولاية، يرى فواتيره آخذة في التضخم وقيمة مداخليه تنكمش يوماً بعد آخر. ما الذي سيفعله والحال هذه، وهو يرى حماسة وزراء ترامب ومساعديه لمزيد من الطموحات الامبراطورية المستجدة خارج أميركا؟ ترامب الذي يبدي استخفافاً واضحاً بالكوكب برمته، غير مستعد للتنازل والإجابة على أي من أسئلة العالم لأميركا الحالية، وأسقفها الجديدة في الحروب التجارية المتنقلة، كما بعملياتها الهوليوودية.
وبينما ترامب مقتنع بغرام جمهوره به كقائد، يضرب كبار الجمهوريين أخماساً بأسداس، فلا هو يناقشهم في خطته الكبيرة لأميركا اللاتينية الجديدة، ولا في سياساته الأخرى، ولا هم مستعدون لمواجهته. هكذا لا يبقي لديهم إلا التضرع لله بأن تأتي عواقب قرارته سليمة على الحزب، وعلى همة جمهوره للإقبال على صناديق الاقتراع، وألا تقع واقعة كبيرة قبل موعد الانتخابات، كتلك التي في يوم رملي عاصف، اقتلعت رئيساً وحزباً من مكانه، وفتحت حقبة كاملة سميت بالريغانية.
نبض