"نعم سيدي" بطاقة العبور لإدارة ترامب... أميركا 2025: الصقر المناسب في المكان المناسب

"نعم سيدي" بطاقة العبور لإدارة ترامب... أميركا 2025: الصقر المناسب في المكان المناسب
من 20 كانون الثاني (يناير) 2017، إلى 20 كانون الثاني 2025، تكون أميركا دارت دورة كاملة حول نفسها، وعادت إلى نقطة البداية؛ دونالد ترامب في البيت الأبيض، من جديد.
"نعم سيدي" بطاقة العبور لإدارة ترامب... أميركا 2025: الصقر المناسب في المكان المناسب
ترامب وكريستس نيوم
Smaller Bigger

من 20 كانون الثاني (يناير) 2017، إلى 20 كانون الثاني 2025، تكون أميركا دارت دورة كاملة حول نفسها، وعادت إلى نقطة البداية؛ دونالد ترامب في البيت الأبيض، من جديد.

على أن ترامب الثاني، وقد كبر ثماني سنوات، يعود إلى الوظيفة المرموقة بثقة الرجل العنيد الذي لطالما خالف كل التوقعات بنهايته، خلال ترشحه مرة أولى، ومراراً خلال حكمه، وبعدها أمام المحاكم، كما قضاءً وقدراً حين نجا من الطلقة النارية التي حفت بأذنه وعمّدته بالدم مقاتلاً وبطل جماهير من دون منازع.

ترامب العائد بانتصار رباعي تام، في الصوت الشعبي وعلى مستوى المندوبين، وفي أغلبية مجلسي الشيوخ والنواب، هو غيره ترامب الذي صدم أميركا والعالم، وربما نفسه، وبالأخص القوة الراسخة التقليدية في الحزب الجمهوري حينها، عندما جاء من خارج اللعبة "فاتحاً" مستنقع واشنطن السياسي الفاسد ليجففه. ترامب الأول كان يحاول حينها، قبل تعلم أصول اللعبة المعقدة، نيل قبول غالبية الحزب، وساوم كثيراً وقدم تنازلات في تشكيل إدارته الأولى كي لا يخيف الحزب، قبل أن يتحرر شيئاً فشيئاً من سطوة الحزب عليه ويأخذ الحزب كله، إلى حيث يريد، منهياً حياة سياسيين بتغريدة، أو مطلقاً آخرين إلى النجاح بمثيلتها.

والمفارقة أن ترامب، نجم "تويتر" المنبوذ، يعود إلى الرئاسة بعدما لم يبق من المنصة حتى اسمها، ويكون إيلون ماسك، مالكها الذي غيّر اسمها، من أوائل الذين يسميهم ترامب في إدارته الجديدة، وزير "الكفاءة الحكومية"، بالشراكة مع مليونير آخر هو فيفيك راماسوامي.

هذه الشراكة غير متكافئة مالياً بين رجلي الأعمال، إذ لم تتخط ثروة راماسوامي حاجز الميار دولار بعد، بينما قفزت ثروة الرجل الأغنى في العالم، وربما في التاريخ، إلى أكثر من 350 مليار دولار بعد فوز ترامب. لكن الرجلين ينالان وزارة جديدة كمكافأة لدعم ترامب أولاً، ليبقى المطلوب منهما تطبيق رؤيتهما في القطاع الخاص على القطاع الفيدرالي و"البيروقراطية" التي يريد ترامب تخليص دافع الضرائب الأميركي من هدر ملياراته فيها. 

ماذا سيفعل ماسك بمئات البرامج والوكالات وعشرات آلاف الموظفين الفيدراليين؟ هذا ما لن يطول الوقت قبل أن نبدأ بالتعرف إليه، بأكثر طرق ماسك إثارة للجدل، وعبر حساب ناشط على "إكس" لا يعرف فيه مزاح مالكه من جدّه.

الأسماء الباقية التي أعلن ترامب نيته تعيينها في إدارته الجديدة لا تقل إثارة للجدل، وإن كانت سير أصحابها الذاتية تشي بالخط العام للفترة الثانية للرئيس السابع والأربعين. من الواضح أن ترامب هذه المرة يريد أن يحيط نفسه بالأوفياء المطلقين الذين لن يترددوا في القول "نعم سيدي". وهم، كل في منصبه، لديه ما يكفي من الخلفية السياسية الصلبة والقناعة التامة في تنفيذ سياسات الرئيس الجديد القديم، ووعوده التي إذا ما طبقها خلال السنوات الأربع المقبلة، سيكون قد حقق "إرثه" الخالد الذي سيحفظه التاريخ له.

ولتحقيق هذا الإرث، اختار ترامب، حتى الآن، الصقر تلو الصقر. أول هؤلاء ماركو روبيو، الذي له الحظ الأفضل في أن يسمى وزيراً للخارجية. الجمهوري المحافظ الذي كان أعتى خصوم ترامب في الانتخابات التمهيدية، والتفّ مع الملتفين ليسقط في حضن "ماغا" حتى وصل إلى اللائحة القصيرة للمرشحين لمنصب نائب الرئيس. ابن المهاجريَن الكوبييَن من أشد المعارضين لكوبا بالطبع، وللصين وإيران، ولطالما كان حاداً في معارضته وقف إطلاق النار في غزة "قبل أن تقضي إسرائيل على حماس".
صقران شديدان آخران مرشحان للعمل تحت أمرة روبيو هما النائبة الترامبية في الكونغرس إليز ستيفانيك وحاكم ولاية أركسناس السابق مايك هاكابي.

برز نجم ستيفانيك التي ستكون سفيرة أميركا في الأمم المتحدة، قبل أشهر، عندما قادت حملة "سحق" رئيسات جامعات آيفي في جلسة الاستماع المشهودة في الكونغرس. في حينها، راحت ستيفانيك تشن الهجوم تلو الآخر على رئيسات هارفرد وبنسلفانيا ومعهد ماساشوستس، وقرّعتهن لرفضهن قبول اتهاماتها بأن هناك دعوات الى إبادة اليهود داخل حرم هذه الجامعات ودعت إلى طردهن وصرخت فيهن "عار عليكن"، لتتحول إلى بطلة شعبية في وسائل التواصل عند الجمهور اليميني والمناصر لإسرائيل. الأربعينية الآتية من نيويورك ليست لديها خبرة ديبلوماسية، لكنها ترامبية تماماً.
الثاني، هاكابي، سيكون سفير أميركا في إسرائيل، وهو كان قد صرّح سابقاً بأنه لا يوجد شيء اسمه "ضفة غربية"، ولا يوجد شيء اسمه احتلال، ولا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني. وهذا يبدو كافياً لشرح ما الذي ينتظر المنطقة.

لوزارة الأمن القومي، اختار ترامب حاكمة ساوث داكوتا كريستي نيوم التي ستكون مسؤولة عن وكالات إنفاذ قوانين الهجرة وفي طليعتها ICE أي دائرة الهجرة والجمارك وحماية الحدود. نيوم تسمي الهجرة بـ"الاجتياح"، وتتهم المهاجرين، كما ترامب، بالتسبب بارتفاع نسبة الجريمة وإدمان المخدرات وتدمير الحلم الأميركي، وكانت خاطبت سابقاً "المهاجرين غير الشرعيين" في ولاياتها، بالقول: "اتصلوا بي حين تصيرون أميركيين. في هذه الأثناء، ساوث داكوتا لن تقبل بأن تنقل إدارة جو بايدن أياً منكم إليها".

الاختيار الأكثر إثارة للدهشة والاستغراب، حتى وفق معايير دونالد ترامب، ذهب الى وزارة الدفاع، إذ سيعيّن على رأس البنتاغون عسكرياً من الحرس الوطني ومذيعاً في برنامج "فوكس أند فرندز" يدعى بيت هيغسيث الذي وصفه ترامب في بيانه بأنه "ذكي ومؤمن صادق بأميركا أولاً". في المقابل، امتلأت منصة "إكس" بصور الأربعيني الذي يشبه نجوم السينما بوشومه التي تغطي جسمه ومواقفه طبق الأصل عن ماغا، إضافة إلى تمجيده الصهيونية.

"نعم سيدي الرئيس" هي العبارة التي يريد أن يسمعها ترامب هذه المرة وهو يكافئ المخلصين له والمؤمنين بخطته الواضحة لإعادة أميركا عظيمة مرة ثانية، وهو في عجلة من أمره لملء مقاعد إدارته، ليبدأ العمل من اليوم الأول، كما وعد جماهيره. ومن اليوم الأول، وبأكثرية في الكونغرس، يبدو أنه ماض بلا أي عراقيل إلى أميركا جديدة لا أحد يعرف كيف ستبدأ، وإلى أين ستمضي، وكيف سيكون العالم خلالها وبعدها.