من تركيا إلى مصر وشرق المتوسط... ماذا يحدث زلزالياً في المنطقة؟
تشهد مناطق متفرقة من العالم نشاطاً زلزالياً يثير، مع توالي الهزات والأخبار عنها، تساؤلات متكررة حول ما إذا كانت الزلازل التي تقع في قارات متباعدة مرتبطة ببعضها، أو أن الأرض تمر بمرحلة غير اعتيادية من النشاط التكتوني.
وفي قراءة للمشهد الزلزالي العالمي، تناولت الباحثة السورية في مجال الجيوفيزياء التطبيقية الدكتورة رشا عامر النشاط الممتد من فنزويلا وكولومبيا إلى إندونيسيا واليابان، ومن البحر المتوسط ومصر إلى تركيا، موضحة أن حركة الصفائح التكتونية المستمرة تجعل الأرض نظاماً ديناميكياً تتراكم داخله الإجهادات وتتحرر باستمرار.
لكنها شددت على أن تزامن النشاط الزلزالي في مناطق متعددة لا يعني وجود علاقة سببية مباشرة بينها، إذ لا تتوافر حتى الآن أدلة علمية قاطعة على وجود تسارع عالمي موحد في النشاط التكتوني أو سلسلة من الزلازل تنتقل آثارها مباشرة بين القارات.
من الكاريبي إلى حزام النار
وبحسب عامر، تتميز المنطقة الواقعة بين شمال أميركا الجنوبية وشرق الكاريبي، ولا سيما فنزويلا وكولومبيا، بنظام تكتوني معقد تتحكم فيه مجموعة من الفوالق النشطة، بينها فالق بوكونو وفالق سان سيباستيان.
وأوضحت أن هذه الفوالق تساهم في نقل حركة صفيحة الكاريبي بالنسبة إلى صفيحة أميركا الجنوبية بمعدل يقارب 20 مليمتراً سنوياً، ما يؤدي إلى تحرير تدريجي للإجهادات المتراكمة في المناطق الساحلية والبحرية.
ويتزامن ذلك مع انغراس صفيحة نازكا أسفل شمال غرب أميركا الجنوبية، الأمر الذي يؤدي إلى إعادة توزيع الإجهادات داخل النظام الجبلي المعقد في كولومبيا، وإن كانت تأثيرات هذه العملية تختلف بحسب الموقع والظروف الجيولوجية.
وعلى الجانب الآخر من المحيط الهادئ، تبدو الصورة أكثر نشاطاً في مناطق الاندساس الكبرى التي تسجل معدلات مرتفعة من تراكم الطاقة الزلزالية.
ففي إندونيسيا، تنزلق الصفيحة الهندوأسترالية أسفل صفيحة سوندا بمعدل يتراوح بين 50 و60 مليمتراً سنوياً، ما يؤدي إلى تراكم كبير للطاقة التكتونية.
أما اليابان، وخصوصاً منطقة أخدود نانكاي، فتشهد انغراس صفيحة بحر الفلبين أسفل الصفيحة الأوراسية. واستعرضت عامر التقديرات اليابانية طويلة المدى لاحتمالات وقوع زلزال ضخم في نطاق نانكاي، مشيرة إلى أن اختلاف النماذج والتقديرات يعكس حجم عدم اليقين العلمي، ولا يعني إمكان تحديد موعد حدوث الزلزال.
وأكدت أن الزلزال قد يقع في وقت قريب أو بعد عقود، وأن الاحتمالات الإحصائية طويلة الأجل لا يمكن التعامل معها بوصفها تنبؤاً بموعد محدد.
ماذا يحدث في البحر المتوسط؟
وانتقلت عامر إلى حوض البحر المتوسط، موضحة أنه لا يمثل صفيحة تكتونية واحدة، وإنما يشكل "فسيفساء جيولوجية معقدة" ناتجة عن تقارب الصفيحة الأفريقية شمالاً باتجاه الصفيحة الأوراسية بمعدل يتراوح بين 5 و10 مليمترات سنوياً.
ومن أبرز مناطق النشاط القوس الهيليني جنوب اليونان، حيث يحدث اندساس للغلاف الصخري الأفريقي، ما يجعل المنطقة من أبرز نطاقات النشاط الزلزالي في المتوسط، مع قدرة جيولوجية على توليد زلازل كبيرة وموجات تسونامي.
أما القوس القبرصي، فيمثل منطقة انتقالية تجمع بين التصادم والانغراس الجزئي، ويتفاعل تكتونياً مع شمال الصفيحة العربية ومنظومة صدع البحر الميت التحويلي.
وفي جنوب إيطاليا، يشهد قوس كالابريا بدوره نشاطاً زلزالياً وبركانياً مستمراً مرتبطاً بعمليات الانغراس التكتوني.
وتطرقت عامر كذلك إلى بركان كولومبو المغمور بالمياه شمال شرقي جزيرة سانتوريني في بحر إيجة، مشيرة إلى أن المسوحات الجيوفيزيائية أظهرت وجود نظام صهاري نشط أسفله على أعماق عدة كيلومترات تحت قاع البحر.
ولفتت إلى وجود علاقة جيوديناميكية محتملة بين النشاط التكتوني في بحر إيجة والتطورات البركانية في منطقة كولومبو، إذ يمكن أن تؤثر تغيرات الإجهاد الناتجة عن حركة الفوالق في النظام الصهاري، إلا أن طبيعة هذه العلاقة لا تزال موضع بحث علمي.
الصفيحة العربية تضغط على الأناضول
وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، أشارت عامر إلى أن الصفيحة العربية تتحرك نحو الشمال والشمال الشرقي بمعدل يقارب 15 إلى 20 مليمتراً سنوياً، وهو ما يولد ضغطاً مستمراً على كتلة الأناضول ويساهم في حركتها التدريجية نحو الغرب.
وتكتسب هذه الحركة أهمية خاصة عند النظر إلى النشاط الزلزالي في تركيا، وخصوصاً بعد الزلازل المدمرة التي ضربت جنوب البلاد عام 2023 وأدت إلى تمزقات واسعة على فالق شرق الأناضول.
هل هناك زلزال محتمل في تركيا؟
وتوقفت عامر بصورة خاصة عند منطقة أورفا، الواقعة على الحافة الشمالية للمنصة العربية وبالقرب من منظومات فوالق بوزوفا وسيفيريك، إضافة إلى قربها من نطاق التصادم في سلسلة بتليس وزاغروس.
وأوضحت أن الزلازل الكبرى التي ضربت فالق شرق الأناضول عام 2023 أدت إلى عملية تعرف علمياً باسم "نقل إجهاد كولوم"، وتعني إعادة توزيع الضغوط الميكانيكية داخل القشرة الأرضية بعد حدوث زلزال كبير.
وفي هذه العملية، تنخفض مستويات الإجهاد في بعض أجزاء الفوالق، بينما قد ترتفع في أجزاء أخرى مجاورة.

وبناء على تحليلها، طرحت عامر سيناريو مستقبلياً من مرحلتين. تتمثل الأولى في احتمال وقوع زلزال متوسط في نطاق أورفا، فيما ترتبط الثانية بما قد يترتب على هذا الحدث، في حال وقوعه، من إعادة توزيع إضافية للإجهادات.
ورأت أن خطورة السيناريو لا تكمن بالضرورة في أن الزلزال المتوسط سيكون مدمراً للمباني الحديثة، وإنما في إمكان أن يؤدي دور "المحفز الميكانيكي"، ناقلاً مزيداً من الضغط إلى مناطق أخرى، بما قد يرفع احتمالات تنشيط زلزال أكبر على بعض الأحزمة التكتونية الرئيسية على المديين المتوسط والطويل.
ومع ذلك، شددت الباحثة على أن هذه السيناريوهات لا تعني إمكان التنبؤ بوقوع زلزال في موعد أو مكان محددين، إذ لا يزال تحديد زمان الزلازل ومواقعها المستقبلية بدقة خارج حدود المعرفة العلمية الحالية.
وماذا عن مصر؟
وعن الوضع في مصر، أوضحت عامر أنها تقع ضمن جزء أكثر استقراراً نسبياً من الصفيحة الأفريقية مقارنة بمناطق أكثر نشاطاً مثل تركيا واليونان وإيران، لكن ذلك لا يعني أنها خالية من الزلازل.
وأشارت إلى وجود عدد من نظم الفوالق النشطة في خليج العقبة وخليج السويس وشرق البحر المتوسط، فضلاً عن بعض المناطق الداخلية مثل دهشور.

وبالتالي، تبقى إمكانية حدوث زلازل محلية قائمة، وإن كان مستوى الخطر الزلزالي عموماً أقل من المناطق التكتونية الأكثر نشاطاً المحيطة بها.
وأضافت أن بعض الهزات التي يشعر بها السكان في مصر يكون مصدرها زلازل متوسطة أو قوية تقع في شرق البحر المتوسط أو في الأقواس التكتونية البحرية المجاورة، فيما يمكن أن تؤدي طبيعة التربة الرسوبية في بعض المناطق إلى تضخيم الإحساس بالموجات الزلزالية.
هل ترتبط زلازل العالم ببعضها؟
وفي خلاصة قراءتها، أكدت عامر أن المشهد الحالي يعكس استمرار العمليات الطبيعية لتراكم الإجهادات وتحررها على حدود الصفائح النشطة، من الكاريبي إلى حزام النار في المحيط الهادئ، ومن شرق المتوسط إلى الأناضول والشرق الأوسط.
ورغم أن الزلازل الكبرى تستطيع تغيير توزيع الإجهادات في البيئات التكتونية القريبة والمترابطة، فإن وقوع هزات متزامنة في مناطق متباعدة جغرافياً لا يكفي للقول بوجود رابط مباشر بينها.
وأكدت أن العلم حقق تقدماً كبيراً في فهم حركة الصفائح وانتقال الإجهاد وتقدير المخاطر الزلزالية، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التنبؤ الموثوق بزمان ومكان وقوع الزلزال.
لذلك، ترى عامر أن مراقبة النشاط الزلزالي وتحديث نماذج المخاطر وتعزيز الاستعداد الهندسي تظل الأدوات الأكثر موثوقية للحد من آثار الكوارث، معربة عن أملها في أن يتمكن العلم مستقبلاً من تطوير أنظمة قادرة على التنبؤ بالزلازل قبل وقوعها بأيام بدرجة عالية من الموثوقية.
نبض