مشروع "قرن تركيا"... هل ينجح أردوغان في صياغة دستور جديد للبلاد؟
يواجه مشروع "قرن تركيا" بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان اختباراً مصيرياً مع سعي التحالف الحاكم لإقرار دستور جديد، ويصطدم بحاجز الأرقام تحت قبة البرلمان لأن الشراكة بين حزبي "العدالة والتنمية" و"الحركة القومية" لا تملك الأغلبية الكافية لتمرير الدستور مباشرة (400 صوت)، ولا حتى الحد الأدنى الإلزامي لطرحه في استفتاء شعبي (360 صوتاً).
هذا العجز الرقمي يضع السلطة في تركيا أمام خيار وحيد: اختراق معسكر المعارضة، سواء من خلال استمالة الأحزاب المحافظة الصغيرة، أو فتح قنوات اتصال مع "حزب المساواة وديمقراطية الشعوب" (DEM) ذي الثقل الكردي.
وفي ظل هذه الخريطة البرلمانية المعقدة، يبرز التساؤل الجوهري: هل ينجح أردوغان في تقديم مقايضات مغرية تجمع أطيافاً معارضة متباينة عرقياً وأيديولوجياً ضمن "تحالف الضرورة" لتمرير الدستور، أم أن الصدام الحتمي بشأن شكل النظام السياسي سيجهض هذه المحاولة؟
هدفان رئيسيان لأردوغان
يتحدث المختص في الشأن التركي والإقليمي محمود علوش لـ"النهار" عن دافعين رئيسيين وراء محاولة أردوغان تعديل الدستور. الأول هو إتاحة المجال لترشحه لولاية رئاسية جديدة، وهو هدف يسعى لتحقيقه من خلال التعديلات المقترحة. أما الثاني، فهو طموح أردوغان التاريخي بالتحول إلى دستور مدني بالكامل، والتخلص من الدساتير التي كان للجيش دور كبير في صياغتها، خاصة دستور 1982.
وعملية تعديل الدستور تتطلب أغلبية برلمانية لا يمتلكها التحالف الحاكم، ما يجبر أردوغان على استمالة أطراف خارج تحالفه. ويعمل على مسارين رئيسيين: الأول، محاولة جذب البرلمانيين الأكراد من خلال عملية سلام جديدة مع حزب العمال الكردستاني، والتي قد تفتح الباب أمام دعمهم للتعديلات الدستورية. والثاني، تعميق الانقسامات داخل حزب المعارضة الرئيسي، لا سيما داخل حزب الشعب الجمهوري.
معركة التعديلات
وفق علوش أيضاً، يسعى أردوغان لإقناع الأحزاب الصغيرة بدعم مشروعه، لكن هذا يتطلب تنازلات سياسية، خاصة من الحزب الكردي الرئيسي الذي يربط بين دعم التعديلات وإتمام عملية السلام.
ويُشير إلى أن "المعارضة ليست موحدة وهناك انقسامات داخل حزب الشعب الجمهوري، ما يمنح أردوغان فرصة لاستثمار هذه الحالة لمصلحته". ومع ذلك، فإن أكبر عائق أمام تعديل الدستور هو قدرة المعارضة على الحفاظ على تماسكها، خاصة في ما يتعلق بدور الحزب الكردي، والذي يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في تحديد مصير التعديلات. وإذا فشلت المعارضة في تشكيل موقف موحد، فإن الحكومة قد تتجه إلى خيار انتخابات مبكرة.
أما عن احتمالات نجاح أردوغان فهي تعتمد اعتماداً كبيراً على تماسك المعارضة، خاصة "حزب الشعب الجمهوري"، وعلى مدى قدرة الحكومة على إدارة التحالفات السياسية، مع توقعات بأن المرحلة المقبلة قد تشهد تطورات غير متوقعة قد تغير موازين القوى في تركيا.
/WhatsApp%20Image%202026-06-10%20at%209.13.31%20AM.jpeg)
تجزئة التعديلات
يرى الباحث في الشأن التركي دانيال عبد الفتاح أن معركة التعديل الدستوري التي يخوضها أردوغان تتمحور حيال هدف واحد: "تأشيرة عبور" تتيح له الترشح لولاية رابعة في انتخابات 2028.
ويوضح عبد الفتاح أن "حزب الشعوب الديموقراطي" يمثل اليوم "بيضة القبان" الرقمية والسياسية، إذ يسعى أردوغان لاستكمال مشروع "تركيا بلا إرهاب" من بوابة تقديم تنازلات تاريخية للأكراد، وفتح قنوات تصالحية مع زعيمهم السجين في جزيرة إمرالي عبد الله أوجلان.
وفي تفكيكه لـ"لعبة الأرقام البرلمانية"، يشير عبد الفتاح إلى أن أردوغان الذي يستند إلى نحو 330 صوتاً مع حلفائه، يبدو عاجزاً عن تأمين الـ400 صوت اللازمة لتمرير الدستور مباشرة دون استفتاء، كما أن خيارات "شراء ذمم النواب المستقلين" أو إعلان الطوارئ تبدو مكشوفة ومستبعدة.
وهنا، يتوقع الباحث التركي لجوء أردوغان لحيلة "تجزئة التعديلات الدستورية" إلى حزم منفصلة، بحيث يُمرر للأكراد مكاسبهم، وللجمهوريين بعض مطالبهم، في مقايضة ذكية تفكك جبهة الرفض، وإن ظلت المادة المتعلقة بالتمديد له شخصياً هي اللغم الأكبر.
فخاخ في طريق "العدالة والتنمية"
على الجانب الآخر من المشهد، يشخص عبد الفتاح العلة المزمنة لأحزاب المعارضة التركية، مؤكداً لـ"النهار" أنها "تلتقي فقط على كراهية أردوغان، لكنها تتشظى عمودياً وأفقياً عند تقديم البديل".
هذا التناقض الأيديولوجي يجعل المعارضة عاجزة عن تشكيل ممانعة صلبة؛ فبينما يتمسك "حزب الشعب الجمهوري" بـ"علمانيته" ويرفض تسييس الدين، ترى الأحزاب القومية في أي إصلاحات تمنح للأكراد "تنازلاً خطيراً عن الأمن القومي".
ويلفت عبد الفتاح إلى أن محاولة "حزب العدالة والتنمية" تسويق الدستور الجديد كخطوة "تحديثية" للتخلص من إرث "دستور العسكر" (الذي صيغ إبان انقلاب 1980)، "لم تعد تنطلي على أحد"، إذ تشكك المعارضة في النيات الحقيقية للرئيس التركي.
ويختم عبد الفتاح بتأكيد خطورة الخيارات المتبقية أمام أردوغان، فالذهاب إلى استفتاء شعبي محفوف بمخاطر بسبب مزاج الشارع. ويبقى الرهان على اختراق صفوف المعارضة فاشلاً، إذ إن أي حزب معارض سيتجرأ على التصويت لمصلحة مادة تتيح إعادة انتخاب أردوغان في عام 2028، سيكون كمن يوقّع وثيقة "انتحاره السياسي" الكامل أمام قواعده الانتخابية التي لن تغفر له هذا التراجع.
نبض