يرسلون النساء إلى العمل... من هم الحريديم في إسرائيل؟
يُعدّ الحريديم من أبرز التيارات الدينية اليهودية في إسرائيل، ليس فقط بسبب نمط حياتهم القائم على الالتزام الصارم بالتعاليم الدينية، بل أيضاً بسبب دورهم السياسي والجدل المستمر حول إعفائهم من الخدمة العسكرية.
وتعود جذور هذا التيار إلى أوروبا، قبل أن يصبح جزءاً مؤثراً من المشهد الديني والسياسي والاجتماعي في إسرائيل.
من هم الحريديم؟ وكيف نشأ هذا التيار؟
الحريديم تيار يهودي أرثوذكسي متشدد، نشأ في أوروبا، ولا سيما في مناطق من هنغاريا، في أواخر القرن الثامن عشر، بهدف الحفاظ على التقاليد اليهودية القديمة. ويضع أتباعه دراسة التوراة والالتزام بتعاليمها في صلب هويتهم وأولوياتهم اليومية.

وينقسم الحريديم إلى تيارات متعددة تختلف في مواقفها الفكرية والسياسية، بما في ذلك الموقف من قيام إسرائيل. فبينما يؤيد بعضهم الدولة، يعارضها آخرون لأسباب دينية، كما ترفض مجموعات منهم الخدمة العسكرية، انطلاقاً من اعتقادها بأن دراسة التوراة والالتزام الديني يجب أن يتقدما على الواجبات الأخرى.
ويتركز وجودهم بصورة أساسية في إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. أما في فلسطين، فتعود جذور تشكّل الطائفة الحريدية خلال فترة الانتداب البريطاني، وخصوصاً بين عامي 1919 و1929.
أين يعيش الحريديم في إسرائيل؟
تتركز التجمعات الحريدية في إسرائيل في القدس وبني براك، إلى جانب مدن وأحياء أخرى ذات غالبية حريدية، فضلاً عن مستوطنات تضم أعداداً كبيرة منهم.
وبحسب المعطيات الإحصائية الواردة في النص، يعيش نحو 40% من اليهود الحريديم في القدس وبني براك، فيما يقيم 7% منهم في بيت شيمش قرب القدس. وتبلغ نسبتهم 53% في المستوطنات ذات الأغلبية الحريدية، ولا سيما في الضفة الغربية.
كيف ينظر الحريديم إلى الدين والتعليم والعمل؟
تتمحور حياة الحريديم حول الصلاة ودراسة التوراة وأداء الواجبات الدينية، انطلاقاً من اعتقادهم بأن الالتزام الديني يقود إلى الخلاص. وفي بعض المجتمعات الحريدية، يتفرغ الرجال للدراسة الدينية، فيما تعمل النساء لتأمين جزء كبير من احتياجات الأسرة، ويعتمد كثيرون أيضاً على المساعدات والإعانات الحكومية.

وللتعليم مكانة محورية في المجتمع الحريدي، إذ يلتحق الأطفال منذ سن مبكرة بمؤسسات دينية، وترتبط مجموعات منهم بحاخامات يشكلون مرجعيات دينية وفكرية لها.
وتعتمد المدارس الحريدية بدرجات متفاوتة على المناهج الدينية، فيما يثير تدريس العلوم والمواد العامة فيها خلافات متكررة مع السلطات الإسرائيلية، خصوصاً بشأن المناهج المطلوبة مقابل الاعتراف الرسمي بالمؤسسات التعليمية وتمويلها.
ما الأحزاب التي تمثل الحريديم؟
يمتلك الحريديم تمثيلاً سياسياً عبر أحزاب دينية، أبرزها «أغودات يسرائيل» و«ديغل هتوراه»، اللذان يرتبطان بإطار «يهودوت هتوراه» السياسي. وتؤدي هذه الأحزاب دوراً في تشكيل الحكومات الإسرائيلية، ما يمنحها قدرة على التأثير في ملفات تتصل بالتعليم الديني والإعانات الحكومية والخدمة العسكرية.
أما حزب «المفدال»، الذي يرد اسمه ضمن الأحزاب الدينية في إسرائيل، فيرتبط تاريخياً بالتيار الديني القومي، ولا يُعدّ ممثلاً للحريديم بالمعنى الدقيق.
ما طبيعة مؤسساتهم الدينية والقضائية؟
يمتلك المجتمع الحريدي مؤسسات دينية واجتماعية خاصة، تتولى تنظيم جوانب من حياته اليومية، وتؤدي المرجعيات الحاخامية دوراً أساسياً في معالجة المسائل الدينية والخلافات داخل بعض الجماعات.

وتوجد أيضاً محاكم دينية يهودية تنظر في مسائل تدخل ضمن اختصاصها، ولا سيما قضايا الأحوال الشخصية. لكن وصف هذه المؤسسات واختصاصاتها يختلف باختلاف الجهة القضائية والإطار القانوني الذي تعمل ضمنه.
كيف تبدو الحياة اليومية للحريديم؟
تختلف أنماط اللباس والعادات بين الجماعات الحريدية، لكن الرجال يرتدون في كثير من الأحيان ملابس سوداء وقبعات مميزة، ويحافظ كثيرون منهم على لحاهم، فيما تلتزم النساء بملابس محتشمة وفقاً للتقاليد التي تتبعها كل جماعة.
وتتبنى بعض الجماعات قواعد اجتماعية صارمة في التعامل مع المجتمعات الأخرى، إلا أن المواقف من غير اليهود والثقافات المختلفة ليست موحدة بين جميع الحريديم.
لماذا يتزايد عدد الحريديم بسرعة؟
وفق دراسة لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي، يُعدّ معدل النمو السكاني للحريديم من الأعلى بين المجتمعات في البلدان المتقدمة، ويبلغ نحو 4% سنوياً. كما يشكل الشباب نسبة كبيرة من هذه الفئة، إذ إن نحو 60% منهم دون سن العشرين، بحسب الأرقام الواردة في النص.
ويرتبط هذا النمو بمعدلات الخصوبة المرتفعة، إذ تنجب المرأة الحريدية عادةً ما بين ستة وسبعة أطفال، وفق المعطيات المذكورة، وهي معدلات تفوق بكثير معدلات الخصوبة لدى شرائح أخرى من السكان.
لماذا يُعفى الحريديم من الخدمة العسكرية؟
يعود الجدل حول إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية إلى السنوات الأولى لتأسيس إسرائيل، عندما أُعفي نحو 400 طالب من طلاب المدارس الدينية، المعروفة باسم «اليشيفوت»، بهدف إتاحة المجال أمامهم للتفرغ لدراسة التوراة.
ومع مرور السنوات، اتسع نطاق الإعفاء. وفي عام 1977، أُلغي تحديد عدد الطلاب الذين يمكن إعفاؤهم، ما أتاح توسيع الاستفادة من هذا الترتيب. ومنذ عام 1995، ارتفع عدد المستفيدين من الإعفاء، وسط استمرار حصول بعضهم على مساعدات مالية من الدولة.
وعلى الرغم من ذلك، انخرط بعض الحريديم في الخدمة العسكرية والأجهزة الأمنية، وأُنشئت وحدات عسكرية خاصة تراعي نمط حياتهم الديني.
وفي عام 2017، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قراراً بشأن الإطار القانوني لإعفاء طلاب المعاهد الدينية، معتبرة أن الترتيبات القائمة تثير إشكالية تتعلق بالمساواة، وطالبت بإيجاد حل قانوني. وحددت المحكمة لاحقاً مهلة انتهت في 30 آذار/مارس 2024.
ولا يزال الملف موضع خلاف سياسي واجتماعي في إسرائيل، في ظل اعتراضات على استمرار الإعفاءات، مقابل تمسك الأحزاب الحريدية بالحفاظ على نمط الحياة الديني لمجتمعاتها. كما يكتسب الملف أهمية إضافية بسبب الدور الذي تؤديه هذه الأحزاب في تشكيل الحكومات والائتلافات السياسية.
نبض