صورة تجمع خامنئي وممداني وإردوغان... و"أعداء" إسرائيل الكثر
في سياق التحضيرات للانتخابات الإسرائيلية، نشر حزب "الليكود" لافتات كبيرة على الطرقات العامة في إسرائيل لتعبئة الإسرائيليين انتخابياً ودفعهم نحو الاقتراع والتصويت للحزب ومرشحيه.
لكن إحدى هذه اللافتات كانت موضع اهتمام سياسي وشعبي، وبعثت رسائل في أكثر من اتجاه، وجمعت ما لم يكن أحد يتخيّل جمعه في صورة واحدة. لكن هذه الصورة قد تحمل أيضاً رسالة معاكسة تضر بالحزب وسياسته.
صورة جامعة غريبة
كان لافتاً ضمن الحملة الانتخابية والصور الكبيرة المرفوعة في إسرائيل وجود لافتات وضعت عليها صور المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم.

تحاول اللافتة الكبيرة الإضاءة على التحديات والتهديدات السياسية والعسكرية والأمنية التي تشكلها الشخصيات المذكورة لإسرائيل، والصدامات التي وقعت بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهؤلاء الشخصيات الذين يتهمهم الأول بـ"السعي لتدمير إسرائيل".
لكنها في الآن عينه تحمل رسالة أخرى لا يريد نتنياهو أن يراها الإسرائيليون، مفادها أن سياسات نتنياهو صنعت لإسرائيل معارضين، وربما أعداء، جدداً في الشرق الأوسط، وفي جامعات أوروبا، وحتى في الولايات المتحدة، الداعم الأول لإسرائيل سياسياً وعسكرياً، وهذه المشهدية تحمل في طياتها مؤشرات وتهديدات خطيرة إلى مستقبل إسرائيل.
مجتبى خامنئي: رسالتان
على شمال الصورة، يظهر مجتبى خامنئي، المرشد الجديد لإيران خلفاً لوالده الذي اغتالته إسرائيل بداية الحرب الأخيرة.
من خلال وضع صورته، تصوّب دعاية حزب "الليكود" على نقطتين:
النقطة الأولى الظاهرة هي التهديد الذي يشكله النظام الإيراني الحالي على إسرائيل وجودياً، والحرب التي يشنها نتنياهو على هذا النظام تحت شعارات "منع امتلاك قنبلة نووية، تمدير القدرات الصاروخية البالستية، وإنهاء دعم الفصائل الموالية له"، وكلها تشكّل تهديدات عسكرية وأمنية لإسرائيل وأمنها القومي. ولا بد من الإشارة إلى الخلفيات الدينية أيضاً والتهديدات الإيديولوجية التي تكمن في أعماق الحرب.
والنقطة الثانية المستترة هي التذكير بـ"الإنجاز العسكري"المتمثّل باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، الذي قاد محور إيران لعقود في الشرق الأوسط، وهدد إسرائيل.
زهران ممداني: المعارضة الأميركية لإسرائيل
إلى جانب مجتبى، يظهر زهران ممداني، الذي شكّل رأس حربة الأفكار اليسارية التقدمية الداعمة لحقوق المسلمين والعرب والفلسطينيين، ورأس حربة المعارضة الأميركية لسياسات إسرائيل الحالية. واعترف ممداني بجرائم الحرب وجرائم الإبادة التي أدانت بها محكمة العدل الدولية مسؤولين إسرائيليين، على رأسهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.
يرى نتنياهو في ممداني خطراً لا يقلّ شأناً عن إيران، لكونه يعكس تبدلاً واضحاً في مزاج نسبة غير قليلة من الأميركيين في الولايات المتحدة التي تعتمد عليها إسرائيل في الدعم السياسي والعسكري والأمني.
ويخشى نتنياهو وغيره من السياسيين من المزاج الذي يمثله ممداني واحتمال اتساع رقعة المعارضة الأميركية لممارسات إسرائيل الحالية، ووصول ممداني وغيره إلى مناصب سياسية أميركية متقدمة، وبالتالي عرقلة أي دعم أميركي لإسرائيل.
لكن هذه الورقة قد تؤدي أدواراً معاسكة. فموقف ممداني المعارض لسياسات إسرائيل في الولايات المتحدة يعكس رأي شريحة واسعة من الأميركيين. هذه النقطة قد تكون سلبية أيضاً لنتنياهو، لأنها في مضمونها تقول إن سياسات نتنياهو تضر بجزء من العلاقات الأميركية - الإسرائيلية ولها تأثيرات استراتيجية بعيدة الأمد في حال وصل ممداني وغيره إلى مواقع أكثر حساسية في الولايات المتحدة.
محمود عباس وتصفية القضية
كان لافتاً وجود عباس في الصورة وغياب أي من قادة "حماس"، رغم أن الأخيرة كانت مسؤولة عن أحداث السابع من أكتوبر.
لكن ظهور عباس يشير في طياته إلى تحدي "إنهاء القضية الفلسطينية" وتركيز إسرائيل في المرحلة المقبلة على الضفة الغربية التي تحمل رمزية دينية عند يهود إسرائيل (يطلقون عليها تسمية يهوذا والسامرة).
وتسعى إسرائيل اليوم إلى توسيع الاستيطان في الضفة الغربية وتهجير المزيد من الفلسطينيين، كما تعمل على تقويض السلطة الفلسطينية وإضعاف وجودها وسلطتها الفعلية.
هذا الواقع يراد منه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى تصفية القضية الفلسطينية، التي تشكل التهديد القومي الأكبر لإسرائيل؛ فمنظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد الأخير للفلسطينيين، وتقويضها وإضعافها والسعي لإنهاء سلطتها يعتبر تمهيداً لإنهاء أي شرعية فلسطينية سياسية، وترسيخ "السيادة" الإسرائيلية التي يسعى بعض السياسيين، كوزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى فرضها على الضفة.
من هذا المنطلق، تكون إسرائيل قد أنهت الوجود الفلسطيني السياسي، وفرضت سلطتها السياسية والأمنية على كل الأراضي الفلسطينية.
إردوغان: خطر الإسلام السياسي
خلال السنتين الأخيرتين، تصاعدت حدّة الاشتباك بين إسرائيل وتركيا. هذا الاشتباك كان سياسياً بالدرجة الأولى وسباق نفوذ، واتهم نتنياهو إردوغان بـ"معادات السامية". وتحول هذا الاشتباك إلى العسكر، وكان ميدانه سوريا، فقد استهدفت إسرائيل مواقع عدّة في سوريا قالت التقارير إنها كانت قواعد عسكرية سورية يجري تجهيزها عسكرياً من قبل تركيا برادارات ودفاعات جوية.
كما وقع الاشتباك غير المباشر في السويداء بين السلطات السورية من جهة المقرّبة من تركيا، والفصائل الدرزية التي أعلنت علاقتها بإسرائيل وتلقيها الدعم منها.
يصوّر نتنياهو إردوغان للإسرائيليين بـ"خطر الإسلام السياسي"، ويحاكي من خلاله المزاج السياسي الإسرائيلي الذي يبدي قلقاً من الإسلام السياسي، والذي كانت تمثّله حركة "حماس" في غزّة. وسبق أن اتهم نتنياهو تركيا بدعم الحركة واستضافة بعض قادتها.
بالتالي، يوظّف نتنياهو صراعه الإقليمي مع تركيا وإردوغان بالانتخابات الإسرائيلية من خلال "التخويف من الإسلام السياسي".
نعيم قاسم: التهديد الحدودي
الشخصية الأخيرة في صورة "الليكود" هي للشيخ نعيم قاسم. يريد من خلالها نتنياهو والحزب الإضاءة على التهديد الحدودي المزعوم الذي يشكّله "حزب الله" قبيل الانتخابات، ويغمز أيضاً مستتراً من "الإنجاز" الذي تمكّن من تحقيقه مع اغتيال الأمين العام الأسبق للحزب السيد حسن نصرالله.

تبرير الأكلاف الباهظة
لا يضيء حزب "الليكود" من خلال هذه الصورة على التهديدات السياسية والعسكرية والأمنية التي يشكلها معارضو إسرائيل فحسب، بل يبرر أيضاً الأكلاف التي دفعتها إسرائيل في هذه الحروب.
وضع صور مجتبى خامنئي ونعيم قاسم في الشوارع الإسرائيلية هدفها محاكاة المزاج الإسرائيلي العام، وتذكيره بحجم التهديد الوجودي الذي يشكّله خصوم إسرائيل، فتبرر كل الأكلاف البشرية والمادية التي تكبدتها إسرائيل خلال الحرب، والتي يسأل عنها نتنياهو شعبياً.
صورة تنقص أيزنكوت
لم يضع "الليكود" في اللافتة صورة قائد معسكر المعارضة لنتنياهو والمنافس له غادي أيزنكوت، لكن ملائكة أيزنكوت حضرت. الرسالة الأبرز تقول إن نتنياهو يحمي إسرائيل من "الأعداء" في الصورة الشهيرة، الذين "يريدون إسقاطه". وعمل أيزنكوت على إسقاط نتنياهو يتماهى مع هذا الواقع، وبالتالي يرسل رسالة تقول "الاقتراع لأيزنكوت" هو اقتراع لمن يهدد إسرائيل وجودياً.
الغائب الأكبر: طلاب الجامعات
ولربما الغائب الأكبر عن هذه الصورة كان طلاب الجامعات حول العالم وما يمثلوه من تهديد فكري خطير جداً على مستقبل إسرائيل. قد تتمتع إسرائيل بأفضلية عسكرية في الشرق الأوسط، لكن أدواتها الدعائية تواجه تحديات صعبة جداً على المستوى العالمي.
ثمة جزء من الرأي العام العالمي يبدّل رأيه لجهة الموقف من إسرائيل وممارساتها، وثمّة سردية أخرى مضادة للسردية العبرية تطفو وتلقى مستمعين كثر.
طلاب الجامعات يشكلون الحلقة الأخطر، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا، كونهم يشكلون قادة مستقبل هذه الدول وقواعدها الجماهيرية الناخبة، واقتناعهم بسردية معارضة لإسرائيل هو الخطر الفعلي على الأخيرة ومستقبلها.
لماذا غابت "حماس" عن الصورة؟
مع العلم أن "حماس" كانت الهدف الأبرز لإسرائيل طوال السنوات السابقة نسبةً لما حصل في السابع من أكتوبر، ومع العلم أن إسرائيل تمكّنت من تدمير قدرات "حماس" العسكرية إلى حد بعيد جداً وبذلك حققت أيضاً "إنجازاً عسكرياً"، لكن الحركة غابت عن الصورة.
انحسار قدرة الحركة على تهديد أمن إسرائيل ليس السبب في تغييبها عن الصورة، خصوصاً أنها تواصل عملياتها الأمنية في الضفة الغربية ضد الجيش الإسرائيلي. لكن "حماس" تذكّر الإسرائيليين بتاريخ السابع من أكتوبر وما حصل يومها، وغياب أجهزة الأمن الإسرائيلية شبه التام عن أرض المعركة خلال الساعات الأولى. ويحمّل الإسرئيليون نتيناهو المسؤولية الأمنية عما حصل.
في المحصلة، فإن نتنياهو تمكّن من جمع خامنئي وممداني وعباس وإردوغان وقاسم بصورة واحدة، وهي الصورة التي لم يكن أحد ليتخيّلها. الانتخابات تفرض حساباتها السياسية والتعبوية. لكنها إن كانت تحمل رسالة أخرى فهي رسالة قاسية على نتنياهو، مفادها أن ممارسات إسرائيل الأخيرة صنعت لها أعداء جدداً، من تركيا حتى الولايات المتحدة.
نبض