من باراك إلى آيزنكوت... كيف قلّص نتنياهو نفوذ الجنرالات؟
من باراك وغانتس إلى آيزنكوت، كيف قلّص نتنياهو نفوذ الجنرالات في السياسة الإسرائيلية، وهل يستطيع رئيس الأركان السابق أن ينجو من المصير نفسه؟
لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استراتيجية سياسية أثبتت فاعليتها خلال سنوات حكمه الطويلة. فهو يدرك أن البقاء في "الغابة السياسية" يتطلب منع أي قوة منافسة من التحول إلى بديل قادر على تهديد موقعه، وربما تكمن إحدى أبرز مهاراته في دفع خصومه أحياناً إلى اتخاذ خطوات تنتهي بإضعافهم.
كان يفترض بجنرالات الجيش الإسرائيلي الذين انتقلوا إلى السياسة أن يدركوا طريقة عمل خصمهم. خبرتهم العسكرية تقوم على جمع المعلومات وفهم المصالح والاستعداد لـ"اليوم التالي" وتجريد الخصم من عناصر قوته. إلا أن عدداً منهم تعثر في مواجهته السياسية، من إيهود باراك وشاؤول موفاز إلى موشيه يعلون وغابي أشكنازي وبيني غانتس. واليوم يبرز غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق ورئيس حزب "يشار"، باعتباره أحدث جنرال يحاول تحدي نتنياهو. ويخوض "يشار" انتخابات 2026 بقيادة آيزنكوت الذي أعلن ترشحه لرئاسة الحكومة.
من الثكنة إلى رئاسة الحكومة
لعقود، بدا الطريق إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية مفتوحاً أمام القادمين من المؤسسة العسكرية، كما حدث مع إسحاق رابين وإيهود باراك وأرييل شارون. نتنياهو غيّر جزءاً من هذه المعادلة، مستفيداً من تقديم نفسه كسياسي يمتلك خبرة في الاقتصاد العالمي والديبلوماسية الدولية والعلاقة مع الإدارات الأميركية، في مقابل تصوير خصومه العسكريين كقادة يفتقرون إلى الخبرة السياسية اللازمة لإدارة الدولة.
وبحسب ما كتب المراسل السياسي في هيئة البث الإسرائيلية "كان" يؤآف كراكوفسكي، تظهر نماذج عدة من هذه المواجهات. ففي 2009، أُقر ما عُرف بـ"قانون موفاز"، الذي سمح لسبعة أعضاء في الكنيست بالانشقاق عن حزبهم. ومع اشتداد الصراع داخل "كاديما"، خسرت تسيبي ليفني زعامة الحزب لموفاز، ثم انضم الأخير إلى حكومة نتنياهو عام 2012 قبيل التصويت على حل الكنيست. وفي انتخابات 2013، هبط "كاديما" من 28 مقعداً إلى مقعدين، وانتهى عملياً كبديل سياسي لـ"الليكود".
ويتكرر النمط نفسه مع إيهود باراك، الخصم الوحيد الذي سبق أن هزم نتنياهو في انتخابات رئاسة الحكومة عام 1999. فبعد سنوات من تلك المواجهة، أصبح باراك شريكاً لنتنياهو في الحكم، قبل أن ينشق عام 2011 مع أربعة نواب عن حزب "العمل" ويؤسس حزب "الاستقلال"، مع بقائه في الحكومة. إلا أن الحزب انسحب لاحقاً من السباق الانتخابي، وانتهت التجربة من دون أن يتحول باراك إلى بديل سياسي قادر على تحدي نتنياهو، لتدخل مسيرته السياسية مرحلة من الجمود.
وجاء التحدي الأكبر مع تحالف "أزرق أبيض"، الذي شكّل بديلاً جدياً لنتنياهو خلال جولات انتخابات 2019 و2020. حصل غانتس في آذار/مارس 2020 على توصية 61 نائباً لتشكيل الحكومة، قبل أن يقرر التفاوض على حكومة وحدة مع نتنياهو. القرار فجّر التحالف، وانفصل عنه يائير لابيد وموشيه يعالون، فيما بقي غابي أشكنازي إلى جانب غانتس.

هل يكفي رصيد آيزنكوت؟
اليوم يواجه آيزنكوت اختباراً مشابهاً، لكن بأدوات مختلفة. رئيس الأركان السابق، المرتبط عسكرياً بما عُرف بـ"عقيدة الضاحية"، دخل السباق على رأس "يشار" من موقع أمني ثقيل، في مقابل حضور جماهيري وإعلامي أقل صخباً من منافسيه.
منتقدوه يصفون أسلوبه بأنه هادئ إلى حد البرودة، وخطابه رتيب ويفتقر إلى الكاريزما الشعبوية. أما مؤيدوه فيقدمون هذه السمات باعتبارها نقيضاً للخطاب السياسي السائد، ويركزون على "المهنية الرصينة" وصورته كرجل مسؤول يتحدث بالخطط والحقائق. الرهان هنا واضح، هل يستطيع الرصيد العسكري التحول إلى قاعدة سياسية مستقرة؟
وترى المحامية كينيريت باراشي في "معاريف" أن السياسة الإسرائيلية كشفت انقساماً بين معسكر يميني قادر على التوحد حول قيادة وهوية سياسية واضحتين، ومعسكر وسطي يبدّل قادته سريعاً تحت تأثير استطلاعات الرأي. وبحسب طرحها، نجح نتنياهو في بناء معسكر حافظ على تماسكه خلال المعارضة والأزمات والانتخابات المتكررة والانشقاقات ولوائح الاتهام والاحتجاجات.
وتضيف أن الرتبة العسكرية لا تشكل برنامجاً سياسياً في ذاتها، وأن السجل العسكري، مهما كان قوياً، لا يعفي صاحبه من تحديد مواقفه في الأمن والاقتصاد والمجتمع وقبول المساءلة العامة.
قوة العلامة السياسية
في قراءة أخرى، وصفت صحيفة "غلوبس" نتنياهو بأنه إحدى أقوى "العلامات السياسية" في إسرائيل، لما يثيره اسمه من ولاء حاد لدى مؤيديه ورفض مماثل لدى خصومه. وتربط الصحيفة قوة هذه العلامة بقدرته على مخاطبة المشاعر والمخاوف، وبحضوره أمام الكاميرا، حيث يقدّم نفسه بصورة السياسي القادر على الفوز والبقاء.
هنا تحديداً تكمن معضلة آيزنكوت ومن سبقه من الجنرالات. فالمعركة مع نتنياهو لا تُحسم بالسجل العسكري وحده، ولا بعدد الرتب أو سنوات الخدمة، وإنما بقدرة الخصم على بناء معسكر سياسي وهوية وبرنامج يصمدان أمام الاستقطاب. وبعد باراك وموفاز وغانتس، يدخل آيزنكوت المواجهة وهو يعرف أن الاختبار الحقيقي يتجاوز تحدي نتنياهو في استطلاع إلى منع تكرار المسار الذي أطاح طموحات جنرالات سبقوه.
نبض