"البيبية" و"البيبيون"... كيف صنع نتنياهو ظاهرة تتجاوز شخصه؟
لطالما أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجدل على الصعيدين السياسي والشخصي. "بيبي" أو "بيبي ملك إسرائيل" لقب ساخر تفخيمي يستخدمه أنصاره وبعض وسائل الإعلام الموالية له للإشارة إلى طول فترة ولايته وقدرته الكبيرة على البقاء في السلطة لأطول مدة في تاريخ إسرائيل.
في المقابل، يرى معارضوه أن هذا اللقب يعكس نزعة ذات طابع ملوكي مطلق، في ظل استئثاره بالسلطة ومحاولته الحثيثة تهميش السلطتين القضائية والرقابية، ودمج المصالح السياسية للدولة بمصالحه الخاصة، وأنه يحكم كـ"ملك" لا كرئيس وزراء. ويمكن وصف ذلك بنوع خاص من الديكتاتورية الحديثة، أو "المودرن"، التي تمزج بين الديموقراطية الصورية الغربية والديكتاتورية الشرقية التي تتلخص في شخص واحد يحكم، وقد يكون سبب خلاص الدولة أو دمارها.
الزعيم الأوحد
ظهر مصطلح "البيبيون - البيبيستيم" كمفهوم سياسي في الخطاب الإسرائيلي بين عامي 2015 و2016، خلال فترة الانتخابات والتحقيقات في تهم الفساد والرشوة.
يشير المصطلح إلى أبرز مؤيدي نتنياهو، ويُطلق على أكثرهم تشدداً في دعمه، أولئك الذين يرون فيه الزعيم الأوحد الذي لا يُقهر والمنقذ الوحيد لإسرائيل، أو "المخلّص"، ويدعمونه دعماً مطلقاً وعميقاً وغير مشروط، وينظرون إلى "بيبي" باعتباره الوحيد والفريد من نوعه. بينما يستخدمه المعارضون بسخرية وانتقاد للدلالة على الولاء المطلق له.
في العموم، يميل مؤيدو نتنياهو المنتمون إلى هذه الفئة إلى عدم تصديق التهم القانونية الموجهة ضده في قضايا الفساد والرشوة وخيانة الأمانة وسوء الإدارة. بل أكثر من ذلك، يعتبرونها تلفيقات من قبل أجهزة إنفاذ القانون ووسائل الإعلام واليسار تحديداً. وقد أصبح المصطلح شائعاً جداً في الخطاب الإعلامي والسياسي الداخلي.
أما المعارضون، أو الـ"أنتي بيبي"، وهم غالباً من السياسيين والإعلاميين والمثقفين، فيستخدمون المصطلح على نحو نقدي وازدرائي، ويشبّه بعضهم أتباعه بـ"الجماعة المغلقة" و"القطيع الأحمق"، فيما يرى آخرون فيه وصفاً لهوية مجموعة سياسية متماسكة وموالية.
نرجسي ذو شخصية سامة...
خلال مقابلة مع صحيفة "هآرتس"، أشار البروفيسور شاؤول كيمحي، عالم النفس الذي حلّل شخصية نتنياهو عام 1999، إلى أن "البيبيين، أتباع نتنياهو المخلصين، أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المشهد السياسي الإسرائيلي، إذ تُظهر استطلاعات الرأي العام منذ هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر ذلك باستمرار وبشكل منهجي. فمؤيدوه يتمتعون بقاعدة دعم راسخة تتراوح بين 15 و20 في المئة، وهي قاعدة لا تتأثر إطلاقاً بالتطورات والتغيرات الدولية والسياسية والاقتصادية".
وأضاف: "يواجه المجتمع الإسرائيلي صراعاً صعباً من أجل صورته المستقبلية، فالبيبيون تحولوا إلى طائفة سياسية، وينظرون إلى المعارضين لسياساته على أنهم خونة للوطن".
ورأى كيمحي أن هذه الظاهرة تستحق التعريف على أنها "عبادة الزعيم السياسي"، لما تحمله من دلالة سلبية وتعبير عن التطرف والتلاعب والإيمان الأعمى والخطير، وصولاً إلى خلق عبادة شخصية له والتلاعب بالرموز والروايات. وشخّصها بأنها "ظاهرة اجتماعية يتوحد فيها أنصاره بشدة ليمجّدوه".
وتابع أن هؤلاء يمكنهم التأثير بشكل كبير على العملية الديموقراطية من خلال تهيئة بيئات تُثبّط التفكير النقدي، وفي كثير من الحالات تُطلق تحركات تُقوّض الخطاب الديموقراطي، مثل نشر المحتوى التآمري ومقاومة النقد الخارجي.
ووصف نتنياهو بأنه "شخصية سامة، نرجسي وقلق، وعندما تأتي الأزمة على حين غرة يشعر بفقدان السيطرة، فيصاب بالذعر ويميل إلى فقدان أعصابه"، والأهم من ذلك أن "رؤية نتنياهو السياسية دائماً هي أن بقاءه جوهر كل شيء".
ووفقاً لكيمحي، "يتسم نتنياهو أيضاً بالتردد وصعوبة اتخاذ القرارات، وهذا ما يدفعه إلى التسويف، وهو نمط يلازم مسيرته السياسية بأكملها. وقد يفسر هذا أيضاً تجنبه تقديم خطة للخروج من الأزمات ومعالجة القضايا على المستوى التكتيكي، مع تجنبه اتخاذ القرارات على المستوى الاستراتيجي".
أما استنتاجه فكان متشائماً: "وجود عبادة الزعيم في إسرائيل يشير إلى انقسام عميق في المجتمع، وإلى ضعف القدرة على التوافق وإشراك الطرف الآخر. يواجه المجتمع الإسرائيلي صراعاً صعباً بشأن صورته المستقبلية، ومن المشكوك فيه إمكان الاكتفاء بتسويات تحاول تجاوز الانقسام وتجنب اتخاذ القرارات".

"الخونة الكابلانيون"
في المقابل، يطلق مؤيدو "بيبي" على الناخبين الذين لا يصوتون له وصف "الكابلانيين" و"الخونة"، في إشارة إلى المتظاهرين ونشطاء المعارضة الإسرائيلية الذين شاركوا في التظاهرات الحاشدة ضد "خطة الانقلاب" على النظام القضائي في شارع كابلان وسط تل أبيب.
بدأت التسمية مع انطلاق الاحتجاجات على التعديلات القانونية التي قادتها حكومة نتنياهو الحالية، واكتسب المصطلح أبعاداً أعمق مع استمرار التظاهرات للمطالبة بإبرام صفقة لتبادل الأسرى الإسرائيليين وإقالة الحكومة.
ووصفهم بـ"الخونة" جزء من خطاب الاستقطاب الداخلي، ويستخدمه أنصار اليمين وحزب "الليكود" وبعض المنصات والحسابات الداعمة للحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي.
أما مصطلح "اليساريين الخونة"، فيُستخدم لاتهامهم بإضعاف الدولة والجيش الإسرائيلي من الداخل في أوقات الحرب والتسبب في تعميق الانقسام المجتمعي. وتشير تحليلات إسرائيلية إلى أن الأوساط المقربة من نتنياهو واليمين سعت إلى نشر روايات ونظريات مؤامرة تتهم "الكابلانيين" بالتآمر أو الخيانة والحصول على تمويل خارجي، بهدف تحميلهم مسؤولية الفشل الأمني الذي أدى إلى هجوم 7 تشرين الأول، وتبرئة الساحة السياسية الحاكمة من المسؤولية.
وتجسد هذه المصطلحات والاتهامات المتبادلة حالة الشرخ الداخلي الحاد وأزمة الهوية المستمرة داخل المجتمع الإسرائيلي، وهو ما قد ينعكس على التغيير في الخريطة السياسية للأحزاب في الانتخابات العامة المقبلة.
قد يرحل نتنياهو لكن "البيبية" باقية
على مدى الأعوام الـ16 الماضية، خلّف نتنياهو إرثاً أسهم في تدني مستوى الخطاب العام، وأجّج التحريض وعمّق الانقسامات المجتمعية، وحرّض الناس ضد مخالفيه في الرأي.
كذلك استغل المال العام لتحقيق مآربه الشخصية، وهاجم الهيئات الرقابية ذاتها التي عيّنها لحماية المصلحة العامة لمجرد أنها تجرأت على دعم التحقيقات المتعلقة به، وقطع وعوداً للسياسيين لم يفِ بأي منها.
ووفقاً لصحيفة "كالكاليست"، فإن السبب الحقيقي وراء تحول "البيبية" أو "البيبوية - البيبيزم" إلى أيديولوجية، هو أنها نظام اقتصادي مربح ومحكم التنظيم، يدر أرباحاً طائلة بشكل مباشر من خلال التغطية الإعلامية التي يمكن استغلالها مادياً. وتعتمد آلية المكافأة بشكل أساسي على سلسلة من القنوات الإعلامية الخاضعة لسيطرة تيار نتنياهو، ما يتيح ترويج "البيبيين" الجدد بسرعة فائقة.
أما الخط الثاني فهو أكثر قوة، ويعتمد على مواقع في وسائل إعلام يُفترض أنها "متوازنة"، إذ تسعى القنوات والبرامج فيها باستمرار إلى استقطاب مؤيدي نتنياهو وأنصاره وتوفير منصة لهم.
بينما يعمل الخط الثالث كمظلة منظمة على موقعي "إكس" وفيسبوك، إذ تتناقل المنصات الرسائل وتنشرها وتعيد تداولها بشكل متسارع، ليس إعجاباً بنتنياهو، بل بالقدرة على كسب الأموال من تمجيده.
ويصف معارضو نتنياهو "البيبية" بأنها الأكثر معاداة للصهيونية التي ظهرت في إسرائيل، والمكان الذي تُغلق فيه القلوب والأخلاق والمنطق، وأنها تسببت في نزع الشرعية عن كل من يخالفه الرأي، خالقة بذلك انقساماً قائماً على ثنائية "نحن" في مقابل "هم" - "اليسار".
ورسّخ نتنياهو أعرافاً في السياسة الإسرائيلية تقوم على "أنا ولا أحد سواي"، واستخف بالآخرين بصورة صارخة، وأخضع احتياجات الدولة لمصالحه الشخصية. كما استخدم التحريض والهجمات اللاذعة وتسميم الخطاب العام عموماً، وضد وسائل الإعلام التي تنتقده خصوصاً، ووصف منتقديه بـ"الخائفين"، وحوّل مقر إقامة رئيس الوزراء الرسمي في "بلفور" إلى حصن منيع.
باختصار، تحول مفهوما "البيبية" و"البيبيين" إلى نتيجة حتمية متكاملة لتطور حكم نتنياهو في السنوات الأخيرة، وبتأثير مباشر من الأجواء التي خلقها والبيئة التي أنشأها، من مزيج مصالحه وأهدافه وحتى عقده النفسية، وانعكاساً لأيديولوجيته وسياساته الداخلية التي انتهجها، من إطاره الحزبي العام وصولاً إلى سجالاته وفيديواته الشعبوية.
نبض