نتنياهو يعيد هندسة الانتخابات... التوتر الدائم بدل المساءلة؟
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، تقوم استراتيجية بنيامين نتنياهو الانتخابية على نقل اهتمام الشارع من مساءلته عن الإخفاقات التي لاحقته منذ هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى التوجس مما قد يأتي بعده.
لا يخوض رئيس الوزراء الإسرائيلي معركته الانتخابية عبر تقديم إجابات عن الأزمات الهيكلية التي تلاحق حكومته، من الفشل الاستخباري في 7 تشرين الأول إلى أزمة التجنيد والإنهاك الاقتصادي والنفسي، بقدر ما يمارس نوعاً من "هندسة السؤال الانتخابي"، عبر إعادة أسئلة الوجود والمصير إلى صدارة النقاش.
وبهذه المقاربة، يدفع نتنياهو الشارع وخصومه السياسيين إلى التعامل مع جدول أعمال تحكمه هواجس التهديد، من غزة ولبنان إلى سوريا وإيران، بما يحوّل صندوق الاقتراع من تقييم للأداء إلى استفتاء على القدرة على حماية إسرائيل.
التصعيد ورقة لضبط المعركة الانتخابية
من القدس، يرسم الأكاديمي والباحث في الشأن الإسرائيلي الدكتور محمد هلسة معالم المنظومة التي يعتمدها نتنياهو لإدارة المشهد السياسي قبل الانتخابات.
ويرى هلسة أن نتنياهو يدرك طبيعة الناخب الإسرائيلي الذي يظل، وخصوصاً في أجواء الحروب، شديد التأثر بخطاب المؤسسة الأمنية وروايات القوة والتصعيد الميداني. لذلك، يسعى إلى الوصول إلى صندوق الاقتراع "على ظهر التصعيد الأمني"، محولاً الاغتيالات والضربات العسكرية إلى "نقاط سياسية" يمكن أن تترجم في رصيد كتلة اليمين.
ويأتي هذا التكتيك، وفق هلسة، تعويضاً عن عجز الحكومة عن تحقيق حسم استراتيجي واضح في الجبهات المختلفة.
وفي حديثه لـ"النهار"، يعتبر أن أحد مفاتيح استراتيجية نتنياهو يكمن في تأطير المعركة الانتخابية باعتبارها قضية وجودية تمس بقاء إسرائيل، عبر الترويج لفكرة أن الانتقال إلى خيارات سياسية أخرى قد يعرّض الدولة للخطر، بما يجعل الخوف جزءاً أساسياً من قرار الناخب.
ويترافق ذلك مع تضخيم التهديدات الأمنية والاستجابة السريعة لأي حدث ميداني بعقد اجتماعات ومشاورات أمنية، بما يبقي الشارع منشغلاً بالخطر الخارجي ويزيح النقاش عن مسؤولية الحكومة عن إخفاقات 7 تشرين الأول.
ويرى هلسة أن نتنياهو يعمل كذلك على فرض خطوط حمراء على النقاش الداخلي، ولا سيما في قضايا مثل الشراكة السياسية مع الفلسطينيين في الداخل أو حل الدولتين. وبهذه الطريقة، يُدفع منافسون مثل غادي آيزنكوت، رئيس حزب "ياشار" ورئيس الأركان السابق، إلى الدفاع عن مواقفهم ونفي ما ينسب إليهم بدلاً من إبقاء نتنياهو في موقع المتهم الذي يتعين عليه الإجابة عن الإخفاقات.
ويضاف إلى ذلك الاستثمار في الماكينة الإعلامية، وخصوصاً المنصات القريبة من اليمين مثل القناة 14، من خلال إثارة سجالات جانبية وقضايا خلافية داخل المجتمع الإسرائيلي، بما يؤدي إلى تشتيت النقاش عن ملفات الاقتصاد والحرب والمساءلة.

الإنهاك يضيّق هامش المناورة
من جانبه، يربط الكاتب والباحث في مركز "تقدم للسياسات" أمير مخول حدود التكتيك الذي يمارسه نتنياهو بحالة المجتمع الإسرائيلي نفسه، الذي يعاني إنهاكاً واستنزافاً متراكمين نتيجة الحروب المتواصلة من دون تحقيق انتصار سياسي شامل.
ووفق مخول، لا يسعى نتنياهو بالضرورة إلى شن "حرب شاملة جديدة" تدرك المؤسسة العسكرية والسياسية كلفتها، بقدر ما يعتمد استراتيجية "الإيحاء بالتصعيد والتوتر الدائم" في الضفة وغزة ولبنان وإيران، بهدف إبقاء المشهد مرتبكاً وتوجيه الأولويات الداخلية، فيما تشكل الضغوط الأميركية عاملاً إضافياً في ضبط سقف حركته.
وفي حديثه لـ"النهار"، يشير مخول إلى اتساع الشرخ بين المؤسسة العسكرية والمستوى السياسي، ولا سيما في ما يتعلق بالضفة الغربية. فسياسات الحكومة، المدعومة من وزير المال بتسلئيل سموتريتش ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، تدفع نحو مزيد من التصعيد، فيما تحاول المؤسسة العسكرية إبعاد المسؤولية عنها وإلقاء العبء السياسي على الحكومة.
ويضيف أن التصعيد في الضفة قد يساعد نتنياهو على تجميع اليمين العقائدي والصهيونية الدينية، لكن تماسك كتلة اليمين ككل يواجه تحديات أكثر عمقاً، في مقدمها أزمة تجنيد اليهود المتدينين المتشددين "الحريديم"، إلى جانب التداعيات النفسية والاجتماعية للحروب على أعداد كبيرة من الجنود والمستوطنين.
آيزنكوت يهدد معادلة نتنياهو
في المقابل، يبرز غادي آيزنكوت واحداً من أبرز التحديات الانتخابية أمام نتنياهو. فرئيس حزب "ياشار" ورئيس الأركان السابق يقدم نفسه بديلاً قريباً من المؤسسة العسكرية وأكثر ميلاً إلى التسويات الأمنية، مع قدرة محتملة على جذب شرائح من ناخبي الليكود والوسط.
وبحسب مخول، يتقاطع صعود آيزنكوت مع عامل خارجي يتمثل في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تؤثر مواقفها في مساحة المناورة الإسرائيلية وفي حسابات التصعيد والتهدئة على الجبهات المختلفة.
ومع ذلك، تبقى المعضلة الأكبر بالنسبة إلى نتنياهو في استمرار مطالب المساءلة عن إخفاقات 7 تشرين الأول. فرغم استعراضات القوة والعمليات العسكرية، لم تختف الضغوط المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية، كما لم تتحول الإنجازات الميدانية، أياً يكن حجمها، إلى إجماع داخلي يطوي ملف المسؤولية.
يراهن نتنياهو بذلك على إدارة الأولويات أكثر من حل الأزمات: إبقاء التهديد الخارجي في مقدمة المشهد، وتحويل الأمن إلى السؤال الذي يسبق الاقتصاد والتجنيد والمساءلة عند صندوق الاقتراع. لكن هذه الاستراتيجية تواجه مجتمعاً أكثر إنهاكاً، ويميناً يعاني تصدعات داخلية، ومنافساً عسكرياً سابقاً يحاول سحب ورقة الأمن من يد رئيس الوزراء.
وبين قدرة نتنياهو على إبقاء الخوف في صدارة الحملة وقدرة خصومه على إعادة 7 تشرين الأول إلى قلبها، قد يتحدد السؤال الحقيقي للانتخابات: أيهما سيحكم قرار الناخب الإسرائيلي، هواجس الحرب المقبلة أم حساب الإخفاقات السابقة؟
نبض