من نتنياهو إلى آيزنكوت... معركة انتخابية تتجاوز تغيير الحكومة
تدخل إسرائيل انتخاباتها البرلمانية المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل وسط انقسام يتجاوز الخلاف التقليدي حول الحرب والصراع مع الفلسطينيين، ليصل إلى سؤال يتعلق بطبيعة الدولة ومستقبل نظامها السياسي: هل تحافظ إسرائيل على الطابع "الليبرالي" الذي يقول الكاتب ديفيد روزنبرغ إن مؤسسيها تصوّروه عام 1948، أم تواصل تحولها نحو نظام أكثر محافظة؟
ويقول روزنبرغ، في تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، إن عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة عام 2022 مثّلت محطة رئيسية في هذا التحول، بعدما شكّل ائتلافا حكوميا ضم أحزابا من اليمين المتطرف وأحزابا يهودية أرثوذكسية متشددة.
ومنذ تشكيل تلك الحكومة، برز مساران أساسيان في سياساتها. يتعلق الأول بإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات القضائية، من خلال تقليص صلاحيات المحكمة العليا وتوسيع نفوذ الحكومة والكنيست في تعيين القضاة والإشراف على المؤسسات القانونية. أما المسار الثاني فيرتبط بتعزيز حضور الدين اليهودي في المجال العام، إلى جانب توسيع الدعم السياسي والمالي والقانوني للمستوطنين في الضفة الغربية.
وكانت خطة الحكومة لإجراء تغييرات واسعة في النظام القضائي من أبرز الملفات التي أثارت مواجهة داخلية حادة، بعدما خرجت احتجاجات شعبية واسعة ضدها، فيما حالت أحكام قضائية دون تنفيذ أجزاء منها. ثم أدى اندلاع حرب غزة عقب هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى دفع الملف إلى مرتبة أقل في سلم الاهتمام العام، دون أن يعني ذلك تخلي الحكومة عنه، بحسب "فورين بوليسي".

أكثر الملفات إثارة للخلاف
وواصلت حكومة نتنياهو تنفيذ أجزاء من مشروعها القضائي، بالتزامن مع توسيع الامتيازات الممنوحة للمجتمع الحريدي، ولا سيما في ما يتعلق بالإعفاء من الخدمة العسكرية. وتحولت هذه القضية إلى أحد أكثر الملفات إثارة للخلاف داخل إسرائيل، في ظل استمرار الجدل بشأن المساواة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية.
وفي الضفة الغربية، تصاعدت خلال الفترة نفسها اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وسط اتهامات للحكومة بالتساهل مع هذه الهجمات أو توفير غطاء سياسي لها.
ويرى روزنبرغ أن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير سعى إلى زيادة نفوذ الحكومة على الشرطة واستخدامها في التعامل مع الاحتجاجات المعارضة، بينما يعمل وزير الدفاع يسرائيل كاتس على تعزيز نفوذ المستوى السياسي في المؤسسة العسكرية.
ويقارن الكاتب بين نهج نتنياهو في التعامل مع مؤسسات الدولة وخصومه السياسيين وبين أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصا في ما يتعلق بمحاولة الحد من نفوذ المؤسسات التي قد تفرض قيودا على السلطة، والنظر إلى الخصوم السياسيين باعتبارهم أطرافا غير شرعية.
ولم تقتصر ضغوط نتنياهو، وفق التحليل، على المعارضة، بل امتدت إلى منافسين داخل حزب الليكود نفسه، بالتوازي مع سعيه إلى التأثير في مؤسسات الدولة، من القضاء وصولا إلى الجيش.
في المقابل، تعاني المعارضة الإسرائيلية من حالة انقسام وضعف سياسي، رغم اتساع مكوناتها لتشمل أحزابا من اليسار والوسط واليمين، إلى جانب أحزاب تمثل المواطنين العرب.
وينتقد روزنبرغ المعارضة بسبب إخفاقها خلال السنوات الماضية في صياغة بديل سياسي متماسك، وكذلك عدم قدرتها على عرقلة أجندة حكومة نتنياهو داخل الكنيست. ومع ذلك، فإن أطرافها المختلفة تلتقي في مجموعة من القضايا، أبرزها الدفاع عن استقلال القضاء، ورفض تسييس الجيش والشرطة، ومعارضة عنف المستوطنين، ورفض الامتيازات الخاصة الممنوحة للحريديم.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت بوصفه أحد أبرز المرشحين القادرين على منافسة نتنياهو، لكن فرصه في الوصول إلى السلطة لا تبدو محسومة. فجزء من قاعدته الانتخابية ينتمي إلى "اليمين المعتدل"، وقد يعود هؤلاء الناخبون إلى تأييد الليكود إذا تمكن نتنياهو من تحسين صورة حزبه.
ويواجه آيزنكوت تحديا إضافيا يتعلق بعلاقته بالأحزاب العربية. فقد تعهد بتشكيل حكومة تضم أحزابا صهيونية فقط، وهو ما يعني استبعاد الأحزاب العربية من الائتلاف الحكومي، الأمر الذي قد يجعل تشكيل أغلبية برلمانية مستقرة أكثر صعوبة وفق المعطيات التي تعكسها استطلاعات الرأي.

مواجهة سياسية شديدة الحدة
ويرى الكاتب أن الاستقطاب السياسي المتزايد جعل الناخب الإسرائيلي أكثر ارتباطا بالمعسكر الذي ينتمي إليه، ما يقلل احتمالات انتقال أعداد كبيرة من الناخبين بين المعسكرين. ومن ثم، فإن الحملة الانتخابية المقبلة قد تتحول إلى مواجهة سياسية شديدة الحدة.
وتتزايد المخاوف من أن يتجاوز التنافس حدود الحملات الانتخابية، إذ حذر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ من مخاطر العنف والترهيب. كما يخشى منتقدو الحكومة من توظيف الشرطة أو جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" في مواجهة المعارضة لأغراض سياسية.
ويطرح روزنبرغ سيناريو أكثر خطورة يتمثل في احتمال رفض نتنياهو وحلفائه نتائج الانتخابات أو التشكيك فيها إذا جاءت ضدهم، وهو ما قد يضع المؤسسات الديمقراطية الإسرائيلية أمام اختبار بالغ الصعوبة.
وعلى صعيد السياسة الأمنية، قد تجد المعارضة صعوبة في إقناع الناخبين بإجراء تغيير جذري، حتى إذا تمكنت من استثمار الانتقادات الموجهة إلى أداء حكومة نتنياهو. لكن وصول حكومة يقودها آيزنكوت قد يفضي، بحسب التحليل، إلى تعديلات في طريقة إدارة الملفات الأمنية، ولا سيما ملف غزة.
ومن المتوقع، وفق الكاتب، ألا تتبنى حكومة برئاسة آيزنكوت أجندة اليمين المتطرف بشأن تهجير الفلسطينيين أو إعادة إقامة المستوطنات داخل قطاع غزة. كما قد تتجه إلى تقليص العمليات العسكرية وربما سحب القوات الإسرائيلية من القطاع، مع احتمال إطلاق مسار لإعادة الإعمار إذا وافقت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على ترتيبات تقترب من نزع السلاح.
أما في لبنان، فستكون أمام أي حكومة إسرائيلية جديدة معضلة مختلفة، إذ قد يؤدي الانسحاب الكامل من المناطق التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية إلى منح "حزب الله" مساحة أكبر للضغط على شمال إسرائيل. وفي الضفة الغربية، قد تسعى الحكومة الجديدة إلى الحد من عنف المستوطنين والحد من توسع الاستيطان، لكن من غير المرجح أن تتمكن من إنهاء الظاهرتين بصورة كاملة.
ولا تبدو آفاق حل الدولتين أفضل حالًا. فبحسب روزنبرغ، أدت تداعيات هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر إلى تراجع فكرة إقامة دولة فلسطينية في المستقبل المنظور، في وقت لا تبدو فيه الحكومة الإسرائيلية ولا إدارة ترامب مستعدتين للدفع باتجاه هذا المسار.
وبذلك، لا يرى التحليل أن الانتخابات المقبلة تقتصر على تحديد ما إذا كان نتنياهو سيبقى في السلطة أم سيغادرها، بل يعتبرها استحقاقا قد يرسم المسار السياسي لإسرائيل خلال السنوات المقبلة.
وفي حال عاد نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، فقد تُفسر النتيجة باعتبارها تفويضا شعبيا لمواصلة تقليص القيود المؤسسية المفروضة على السلطة التنفيذية، وتعزيز نفوذ اليمين المتطرف والأحزاب الحريدية، وهو ما يجعل الانتخابات المقبلة، وفق روزنبرغ، اختبارا لمستقبل النظام السياسي الإسرائيلي بقدر ما هي منافسة على تشكيل الحكومة.
نبض