ما الذي يؤخر "ساعة الصفر" الإسرائيلية ضد إيران؟
رغم الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من استنفار إسرائيلي غير مسبوق، لا تزال تل ابيب تمتنع عن الانتقال إلى "ساعة الصفر" وتوجيه ضربة واسعة ضد إيران. ويثير هذا التريث تساؤلات حول أسبابه في ظل استعدادات عسكرية متواصلة، وضغط أميركي لضبط إيقاع المواجهة، وحسابات تتعلق بكلفة الحرب وتوقيتها، فيما تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن خيار المواجهة لم يُسحب من التداول، وإنما أُرجئ بانتظار ظروف أكثر ملاءمة.
واشنطن تشتري الوقت
يرى الكاتب والباحث السياسي أحمد عرابي، في حديثه مع "النهار"، أن أحد أبرز أسباب تأجيل الضربة الإسرائيلية يتمثل في حرص واشنطن على إبقاء المواجهة مع إيران تحت سقف يمكن السيطرة عليه، محذراً من أن تجاوز إسرائيل للخطوط الحمراء الأميركية "قد يدفع بالمنطقة إلى أتون حرب شاملة". ويؤكد أن المواجهة بين واشنطن وطهران "لا تزال حتى اللحظة منضبطة تحت عتبة الانفجار الكبير، نظراً إلى اعتماد إيران على استراتيجية استنزاف طويلة الأمد".
وفي ظل الضربات الأميركية الأخيرة، يترقب الإعلام العبري رداً إيرانياً محتملاً أو تصعيداً من جبهة جنوب لبنان، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى إعلان الاستنفار وتفعيل منظوماته الدفاعية بالكامل.
ويلفت عرابي إلى ما أوردته صحيفة "يديعوت أحرونوت" بشأن جاهزية إسرائيل لاستئناف القتال سريعاً، وإشارتها إلى أن التقييمات الأمنية الحالية تستبعد تحول هذا التصعيد إلى حرب شاملة في المدى المنظور.
وتكمن العقدة، وفق عرابي، في القناعة الإسرائيلية بفشل الإدارة الأميركية في التوصل إلى اتفاق دائم مع طهران، واقتصار الاستراتيجية الأميركية الحالية على "كسب الوقت" إلى حين عبور انتخابات الكونغرس المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
ورغم تقديرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن رقعة القتال لن تتوسع حالياً إلى أبعد من منطقة الخليج، جاء إلغاء وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث زيارته المقررة إلى تل أبيب لبحث خطط الهجوم ضد طهران دليلاً على حساسية الموقف. وفي المقابل، عززت واشنطن حضورها بإعادة طائرات التزويد بالوقود إلى الشرق الأوسط، وسط تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المباشرة بـ"رد صاعق" إذا ما اختارت طهران دائرة التصعيد.
الضربة مؤجلة لا ملغاة
من جهتها، ترى الخبيرة في الشؤون الإسرائيلية الدكتورة رانيا فوزي أن التريث الحالي لا يعني تراجع إسرائيل عن خيار توجيه ضربة لإيران، وإنما "تأجيلها إلى توقيت تعتبره أكثر ملاءمة لتحقيق أهدافها"، ولا سيما بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أعلن فيها انتهاء الاتفاق مع طهران.وجاءت الضربات الأميركية - الإيرانية المتبادلة لتؤكد هشاشة أي اتفاق افتراضي لا يمس جوهر الأزمة، أي تفكيك البرنامج النووي، وتحجيم ترسانة الصواريخ البالستية، وكبح دعم أذرع طهران من "حزب الله" و"حماس" إلى الحوثيين والفصائل العراقية المسلحة.
وبحسب فوزي، فإن استمرار التصعيد يخدم مصالح أطراف عدة. فترامب يسعى إلى توظيفه في الانتخابات النصفية واستعادة قوة الردع الأميركية لحماية تحالفاته الاستراتيجية وصراعاته الاقتصادية مع الصين وروسيا، وتأمين استثمارات كبرى مع دول الخليج، وفي مقدمها السعودية. وفي المقابل، يجد نتنياهو في استمرار الحرب مصلحة شخصية تمتد حتى عام 2028 للهروب من قضايا الفساد التي تلاحقه.
وتوضح أن إسرائيل بلورت استراتيجية أمنية لعام 2026 تقوم على نظرية إقامة مناطق عازلة، وإعداد الجيش لحرب متعددة الجبهات عبر تنسيق مبتكر يعمل بموجبه جنود الاحتياط بالتناوب بين مصانع التكنولوجيا الدفاعية والخدمة العسكرية.
/WhatsApp%20Image%202026-07-10%20at%209.41.56%20AM%20(1).jpeg)
الغطاء الأميركي وكلفة الضربة
وتؤكد فوزي أن سبباً رئيسياً آخر يؤخر "ساعة الصفر" يتمثل في أن إسرائيل "لا ترغب في استهداف المنشآت الحيوية والنووية الإيرانية من دون غطاء أميركي كامل"، على غرار العمليات الخاطفة السابقة واستهداف قيادات الصف الأول.
وتعول تل أبيب على تفوق سلاحها الجوي لضرب العمق الإيراني، مستغلة تراجع كفاءة المنظومة الصاروخية لطهران بفعل الضربات السابقة، إلا أن استهداف المنشآت النووية يبقى محكوماً بحسابات عسكرية وسياسية معقدة، نظراً إلى التداعيات البيئية والأمنية التي قد تطاول دول الخليج وتفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة.
أما ميدانياً، فتشير المؤشرات، بحسب الخبيرة في الشؤون الإسرائيلية إلى "تهدئة تكتيكية". إذ تشهد الجبهة اللبنانية اتفاقاً للانسحاب التدريجي وتسليم المهام الأمنية إلى الجيش اللبناني، فيما يسود قطاع غزة هدوء حذر برعاية مجلس الأمن عبر إقامة منطقة إنسانية تجريبية بعد حل حكومة "حماس"، لتبقى جبهة الحوثيين في اليمن الورقة الأكثر قابلية للاشتعال إذا ضيقت واشنطن وتل أبيب الخناق على الحرس الثوري.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن قرار توجيه ضربة إسرائيلية واسعة إلى إيران لم يسقط من الحسابات، لكنه يبقى رهناً بتوافر غطاء أميركي كامل، وتقديرات أمنية أكثر ملاءمة، وظروف إقليمية تقلل كلفة المواجهة، ما يجعل "ساعة الصفر" مؤجلة حتى إشعار آخر.
نبض