اعتراف إسرائيل بـ"الإبادة الأرمنية"... رسائل إلى تركيا في توقيت حساس

تركيا 01-07-2026 | 11:45

اعتراف إسرائيل بـ"الإبادة الأرمنية"... رسائل إلى تركيا في توقيت حساس

اعترفت إسرائيل للمرة الأولى رسمياً بـ"الإبادة الأرمنية" التي ارتكبتها الإمبراطورية العثمانية عام 1915، في خطوة أثارت غضب تركيا وفتحت باب التساؤلات بشأن خلفيات القرار وتوقيته.
اعتراف إسرائيل بـ"الإبادة الأرمنية"... رسائل إلى تركيا في توقيت حساس
نصب تذكاري للإبادة الجماعية للأرمن في يريفان، أرمينيا، (وكالات).
Smaller Bigger

قررت إسرائيل للمرة الأولى الاعتراف رسمياً بـ"الإبادة الجماعية للأرمن" في عهد الإمبراطورية العثمانية، عام 1915. القرار الذي يأتي وسط تدهور غير مسبوق في العلاقات مع تركيا يثير تساؤلات بشأن دوافعه وتداعياته، وما إن كان يحمل رسائل سياسية.

ويُقدّر المؤرخون أن ما يصل إلى 1.5 مليون أرمني قُتلوا على أيدي الأتراك العثمانيين في فترة الحرب العالمية الأولى، وهو حدث ينظر إليه الباحثون على نطاق واسع على أنه أول إبادة جماعية في القرن العشرين. وتنفي تركيا أن تكون تلك الوفيات شكلت إبادة جماعية.

 

ولسنوات طويلة، لم تتطرّق إسرائيل أبداً إلى هذا الموضوع رسمياً، لتجنّب إثارة غضب تركيا، لكن تلك العلاقة تدهورت على مدى العقدين الماضيين، خاصة بعد صعود الرئيس التركي رجب طيب اردوغان والحروب الأخيرة في غزة ولبنان وإيران.

 

ووصفت تركيا الاعتراف الإسرائيلي بأنه خطوة "ذات دوافع سياسية" تهدف إلى صرف الانتباه عن تصرّفات إسرائيل نفسها ضد الفلسطينيين.

 

إردوغان مصافحا نتنياهو خلال اجتماعهما في نيويورك (19 ايلول 2023ـ أ ف ب).
إردوغان مصافحا نتنياهو خلال اجتماعهما في نيويورك (19 ايلول 2023ـ أ ف ب).


توظيف الورقة الأرمنية

 

يقول أستاذ القانون والعلاقات الدولية في إسطنبول الدكتور سمير صالحة لـ"النهار" إن قرار إسرائيل الاعتراف بـ"الإبادة الأرمنية" لا يمكن فصله عن التدهور المستمر في العلاقات مع تركيا.

 

ويستبعد أن تحقق تل أبيب "مكاسب استراتيجية" من هذه الخطوة، موضحاً أنها لن تستطيع توظيف هذا القرار "بصورة مؤثرة" ضد أنقرة. ويرى أن الاعتراف "سيزيد من تعقيد العلاقات التركية-الإسرائيلية، لكنه لن يغيّر مسار التعامل مع الملف الأرمني على المستوى الدولي".

 

ويضيف أن الخطوة قد تسهم في تعزيز التقارب بين إسرائيل والجاليات الأرمنية في الغرب، إلا أنها لن تؤثر في موقف القيادة الأرمنية، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء الأرميني يتبنى في المرحلة الحالية سياسة تقوم على الانفتاح على دول الجوار، بما فيها تركيا، وهو ما قد يحدّ من استخدام الملف الأرمني كورقة ضغط على أنقرة.

 

ويختم بالإشارة إلى أن إسرائيل تدرك أن القضية الأرمنية تحظى باهتمام أكبر في العواصم الغربية، ولذلك فإن أحد أهدافها الأبعد قد يكون توثيق علاقاتها مع الجاليات الأرمنية في أوروبا والولايات المتحدة، بما يخدم تعزيز حضورها وتحالفاتها على المستوى الاستراتيجي، أكثر من إحداث تغيير فعلي في موقف أرمينيا أو في سياسات تركيا.


كلفة إغضاب تركيا "تراجعت"

 

من جهته، يقول الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع لـ"النهار" إن إسرائيل قررت الاعتراف بالإبادة الأرمنية الآن لأن "كلفة إغضاب تركيا تراجعت بعد التدهور الحاد في العلاقات بين الجانبين، خصوصاً منذ حرب غزة".

ويضيف: "طوال عقود تجنبت إسرائيل هذه الخطوة حفاظاً على علاقتها بتركيا وأذربيجان، ثم تغيّر الحساب السياسي عندما لم تعد أنقرة شريكاً استراتيجياً كما كانت".

ويشير مناع إلى أن "الاعتراف سيزيد التوتر مع تركيا، لأن أنقرة ترى الملف الأرمني قضية حساسة وترفض وصف أحداث 1915 بالإبادة"، لذلك "يمكن قراءته كرسالة سياسية واضحة إلى تركيا، خاصة أن التوقيت جاء وسط خلافات حيال غزة وسوريا وشرق المتوسط، مع انتفاء البعد الأخلاقي في الخطاب الرسمي الإسرائيلي".

 

"نكاية بتركيا"

 

أما الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش فيعتبر، في حديثه لـ"النهار"، أن خطوة الحكومة الإسرائيلية التي صودق عليها بالإجماع هي أقرب إلى كونها "نكاية بتركيا من كونها اعترافاً بمأساة الأرمن وتضامناً معهم"، متسائلاً: "إن كانت هذه هي القناعة الإسرائيلية، فلماذا تأخر هذا الاعتراف 78 عاماً؟". ويردف: "الجواب معروف وواضح، وهو أن تركيا كانت من أقرب حلفاء إسرائيل، وحليفتها على امتداد العقود الخمسة الأولى منذ إنشاء دولة إسرائيل حتى مجيء حزب العدالة والتنمية للحكم، إذ بدأ معه مسار توتر متصاعد وتدهور في العلاقات".

ويشير إلى أن "في إسرائيل، أصواتاً يمينية تدّعي أن الصدام مع تركيا، وربما مع مصر، مقبل لا محالة، وانتشرت هذه الأصوات على نطاق واسع بعد بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، فقد سادت حالة من النشوة والثقة المفرطة بقوة إسرائيل".

وعن علاقة إسرائيل بالأرمن، يقول أبو غوش إنها "ليست علاقة مميزة على الرغم من وجود جالية أرمنية قديمة جداً في القدس وبيت لحم ومدن الداخل وخاصة يافا وحيفا، وقد حاولت إسرائيل استمالة الأرمن وفصلهم عن المجتمع الفلسطيني ولكنها لم تسجّل نجاحات تذكر".

 

"التشويش"

 

بدوره، يقول الدكتور في العلوم السياسة  والعلاقات الدولية نبيل الخوري لـ"النهار": "في ظل تقاعس تركيا عن حلّ هذه المسألة التي لا يمكن تجاوزها من أجل تنقية الذاكرة وتحقيق مصالحة تركية - أرمنية تاريخية، فإن أنقرة تبقي الباب مفتوحاً أمام إمكانية توظيف مسألة الاعتراف بالإبادة الأرمنية في لعبة الابتزاز الديبلوماسي من قبل أيّ طرف، فكيف الحال بإسرائيل التي تتعامل مع المسألة بكل انتهازية".

 

فإسرائيل، بحسب الخوري، تجد اليوم في مسألة الاعتراف "ورقة يمكن أن تستخدمها ضد تركيا ورئيسها لدوافع وأهداف مختلفة".

 

ويتابع: "هي من ناحية تمثل رداً على الضغط التركي الممنهج ضدّها في موضوع الإبادة في قطاع غزة، ومن ناحية أخرى يندرج الاعتراف في خانة التنافس الإسرائيلي-التركي المتصاعد في الشرق الأوسط".

 

ويرى الخوري أن الخطوة الإسرائيلية تهدف  إلى "التشويش" على المكانة التي لا تزال تحتلها تركيا بالنسبة إلى السياسة الأميركية في المنطقة".

 

وهكذا، يبدو أن الاعتراف الإسرائيلي بـ"الإبادة الأرمنية" جاء في توقيت تحكمه حسابات السياسة أكثر مما تفرضه مراجعة تاريخية. وبينما يضيف سبباً جديداً للتوتر مع أنقرة، يبقى تأثيره العملي محدوداً، فيما تبدو رسالته الأساسية مرتبطة بالصراع الإسرائيلي - التركي أكثر من ارتباطها بالملف الأرمني نفسه.

 

الأكثر قراءة

لبنان 6/30/2026 2:24:00 PM
انخفض سعر ربطة الخبز من الحجم الوسط في صالات الأفران للمستهلك على كامل الأراضي اللبنانية إلى 70,000 ليرة لبنانية (بدلاً من 75,000 ليرة لبنانية)
لبنان 6/30/2026 6:10:00 PM
عقوبات جديدة تستهدف "القرض الحسن" و"بيت المال" و16 مسؤولاً في "حزب الله"
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.