من الخان الأحمر إلى مسافر يطا... كيف تفرّغ إسرائيل الضفة من البدو؟

المشرق-العربي 29-05-2026 | 13:33

من الخان الأحمر إلى مسافر يطا... كيف تفرّغ إسرائيل الضفة من البدو؟

تتسارع الخطوات الإسرائيلية لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية.
من الخان الأحمر إلى مسافر يطا... كيف تفرّغ إسرائيل الضفة من البدو؟
مستوطنة كارميئيل المقامة على أراضي مسافر يطا جنوب الخليل. (النهار)
Smaller Bigger

من الخان الأحمر إلى مسافر يطا... كيف تفرغ إسرائيل الضفة من البدو؟

بعد أشهر طويلة من "الحرب الصامتة" في الضفة الغربية، لم تعد المواجهة تقتصر على الاقتحامات العسكرية أو التوسع الاستيطاني التقليدي، بل باتت تستهدف الوجود البدوي الفلسطيني نفسه، عبر سياسة تقوم على عزل التجمعات، ومحاصرتها، وقطع طرقها، واستهداف مصادر رزقها، وصولاً إلى دفع سكانها نحو الرحيل التدريجي. من الخان الأحمر شرق القدس إلى مسافر يطا جنوب الخليل، تتكرر الوقائع نفسها تقريباً، في مشهد يرى فلسطينيون ومنظمات حقوقية أنه جزء من خطة إسرائيل لإعادة رسم الجغرافيا الديموغرافية للضفة.

وبحسب مصادر حقوقية فلسطينية، نُفذ ما يقارب 10 آلاف انتهاك إسرائيلي خلال عام 2025 ضد التجمعات والقرى الفلسطينية، فيما نزح نحو 12 ألف فلسطيني من 183 تجمعاً بدوياً بعد تعرضهم لاعتداءات استهدفتهم واستهدفت مصادر رزقهم. كما تؤكد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" أن الوضع في الضفة الغربية هو الأسوأ إنسانياً منذ عام 1967، في ظل حرب صامتة تستهدف المدن والقرى والمخيمات والتجمعات الفلسطينية.

وتقلصت مساحة أراضي الفلسطينيين وثرواتهم الزراعية والحيوانية، فيما بات المستوطنون يسيطرون على السهول وقمم الجبال، ويقتحمون المنازل، ويسرقون المواشي والسيارات وكل ما يقع تحت أيديهم، في وقت تتسارع فيه الخطوات الإسرائيلية لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية، وسط تهديد دائم ومباشر يطاول نحو 200 تجمع بدوي تعاني التهميش وتحرم من أبسط مقومات الحياة.

 

المستوطنون يحاصرون المدارس والتجمعات

 

قبل عدة أسابيع، أغلق مستوطنون من مستوطنة كارميئيل المقامة على أراضي مسافر يطا جنوب الخليل، الطريق الوحيد الذي يسلكه أطفال خربة أم الخير للوصول إلى مدرستهم، بعدما توسعوا في الأراضي المحيطة وأقاموا بؤراً استيطانية جديدة، في مشهد يعكس تصعيداً خطيراً يستهدف حق الأطفال الأساسي في التعليم.

ويعاني طلاب مدرسة الصرايعة الثانوية، البالغ عددهم 167 طالباً، إضافة إلى المعلمين والطاقم الإداري، من الترهيب الممنهج وصعوبة الوصول إلى المبنى، في ظل واقع بات مرتبطاً بمزاج المستوطنين وجنود الجيش الإسرائيلي الذين حوّلوا أيامهم إلى كابوس دائم.

ويقول مدير المدرسة أمجد الجندي لـ"النهار" إن "إغلاق الطريق بعد إقامة بؤرة استيطانية يحرم الطلبة من التعليم وحرية الحركة ويعرضهم للخطر"، إذ يُجبرون على الانتظار لساعات طويلة أو العودة إلى منازلهم، فضلاً عن المضايقات اليومية التي يتعرضون لها.

ويضيف أن الطلبة اضطروا إلى تغيير مسارهم بعدما كانت المسافة لا تتجاوز كيلومتراً واحداً، فيما أصبحت اليوم تقارب ثلاثة كيلومترات، كما أن الأهالي لم يعودوا يسمحون لأبنائهم بالسير خوفاً من الاحتكاك بالمستوطنين أو التعرض لإطلاق النار والقنابل.

أما أستاذ اللغة الإنكليزية طارق الهذالين، فينقل الأطفال بسيارته الخاصة حفاظاً على أمنهم وسلامتهم، مؤكداً لـ"النهار" أن الأطفال "يعيشون حالة خوف ورعب دائمين".

 

أستاذ اللغة الإنكليزية طارق الهذالين. (النهار)
أستاذ اللغة الإنكليزية طارق الهذالين. (النهار)

 

"الاستيطان الرعوي" وأدوات التهجير

 

في كانون الثاني/يناير الماضي، هُجّر محمد الغوانمة وعائلته المؤلفة من زوجته وأبنائه السبعة من منزلهم في تجمع شلال العوجا قرب أريحا، بعدما تعرضت القرية البدوية لهجمات متكررة من مستوطنين مسلحين أقاموا قاعدة عمليات في المنطقة، وبدأوا بإطلاق المواشي من الأبقار والخراف والجمال بين البيوت والتجمعات السكنية، لافتعال احتكاكات ومشكلات مع الفلسطينيين ودفعهم إلى الرحيل.

وبقي الغوانمة وعائلته حتى اللحظات الأخيرة، قبل أن يقرر الرحيل بعدما اقتحم المستوطنون منزله ومنازل أقاربه وهددوهم بالقتل في حال عدم المغادرة.

ويقيم اليوم مع عائلته على بعد نحو 10 كيلومترات من شلال العوجا، في منطقة النويعمة شمال أريحا، داخل مساحة قاحلة على سفوح تلال صخرية اختارها لأنه لم يجد مكاناً آخر يذهب إليه.

ورغم انتقاله، لم تتوقف الاعتداءات. ويوضح الغوانمة لـ"النهار" أنه يعرف المستوطنين الذين هاجموه، وبعضهم مدرج على قوائم العقوبات الأوروبية، مضيفاً أنهم اقتحموا خيمته مجدداً وهددوه بمصادرة هاتفه ومحو التسجيلات المصورة.

ويتابع: "يريدون كل شيء على الأرض وما في باطنها. يهاجموننا لأن هدفهم حرمان الفلسطينيين من الثروة الحيوانية والزراعية وتجويعهم. هذا أسلوبهم في تهجير التجمعات التي تمتلك الثروات".

وتؤكد زوجته أن المستوطنين "يريدون سرقة هويتنا الثقافية"، عبر استهداف الزراعة وتربية المواشي وإنتاج الألبان والأجبان التي تمثل مصدر الدخل الوحيد للعائلات البدوية.

 

الخيمة التي نصبها محمد الغوانمة في منطقة النويعمة. (النهار)
الخيمة التي نصبها محمد الغوانمة في منطقة النويعمة. (النهار)

 

وتحوّلت الاعتداءات، بحسب منظمات حقوقية فلسطينية، إلى أداة استيطانية ممنهجة، إذ يستخدم "الاستيطان الرعوي" للسيطرة على الأراضي ومنع الفلسطينيين من الوصول إليها، بالتوازي مع توسع البؤر الاستيطانية التي يُقدّر عددها بنحو 380 بؤرة رعوية سيطرت على مساحات واسعة تُقدّر بـ800 ألف دونم.

كذلك، نُفذ أكثر من 1870 اعتداء من الجيش والمستوطنين منذ بداية العام، ما أدى إلى تهجير أكثر من 80 تجمعاً بالكامل.

وترتبط سياسة استهداف تجمعات البدو أيضاً بعدم الاعتراف بملكيتها للأراضي، ضمن سياسة إسرائيلية تهدف إلى فرض أمر واقع جديد في مناطق واسعة من الضفة الغربية.

 

الخان الأحمر... معركة تغيير الجغرافيا

تحاول الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بقيادة بنيامين نتنياهو الدفع نحو إخلاء تجمع الخان الأحمر، لذلك فإن قرار وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تسريع هذه الخطوة لا يُعد سابقة، لكنه يأتي في سياق فرض وقائع جديدة على الأرض.

ولطالما استخدم نتنياهو ملف الخان الأحمر لاستقطاب جمهور اليمين الصهيوني المتطرف، وتحويله إلى ورقة سياسية وانتخابية.

وفي المقابل، أعلنت 11 دولة أوروبية نيتها فرض عقوبات على المقاولين الذين سيشاركون في مشاريع البناء الإسرائيلية في المنطقة المتوقع انطلاقها في حزيران/يونيو المقبل، محذرة من "التبعات القانونية للمشاركة في بناء المستوطنات وخطر التورط في انتهاك القانون الدولي".

وتحولت القرية إلى رمز للنضال الشعبي الفلسطيني، فيما سبق أن حذر الاتحاد الأوروبي من أن إخلاءها قد يُعد "جريمة حرب" وانتهاكاً لميثاق روما.

وبات الوجود الفلسطيني في المنطقة محاصراً بين المستوطنات الإسرائيلية، مع توسع مستوطنة كفار أدوميم وظهور بؤر استيطانية جديدة قرب التجمعات البدوية.

 

البؤرة الاستيطانية قرب الخان الأحمر. (النهار)
البؤرة الاستيطانية قرب الخان الأحمر. (النهار)

 

وفي عام 1970، صادرت الحكومة الإسرائيلية أراضي المنطقة لبناء مستوطنة "معاليه أدوميم"، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي يواجه سكان الخان الأحمر تهديدات متواصلة بالإخلاء، بينما تحاصرهم اليوم المباني الإسرائيلية والأعلام والبؤر الاستيطانية من مختلف الجهات.

ويقول أحمد إبراهيم، البالغ 46 عاماً، بحسرة: "إنهم يقتربون أكثر فأكثر. استقروا على بعد 100 متر فقط من المنازل خلف المدرسة، وأغلقوا الطريق".

أما المتحدث باسم التجمع عيد الجهالين، فيقول إن حياته "تغيرت بالكامل" بعد قرار الإخلاء، موضحاً أنه يتخيل وصول الشرطة الإسرائيلية والجرافات طوال الوقت، في ظل انشغال العالم بالحروب والتوترات الإقليمية.

ويضيف الجهالين لـ"النهار" أن إسرائيل "تستغل هذه الظروف لتمرير مخططاتها الاستيطانية وتصعيد عمليات الهدم والتهجير"، قبل أن يختم قائلاً: "الأطفال والنساء... الجميع خائفون، ولا ندري ماذا سيحدث لنا".

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 5/21/2026 8:31:00 AM

اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.


موضة وجمال 5/26/2026 10:26:00 AM
يبدو أنّ اللون الأزرق بات يحتلّ مساحةً أساسية في اختيارات الملكة رانيا وقد برز ذلك جليّاً خلال إطلالاتها الأخيرة.
موضة وجمال 5/26/2026 11:06:00 AM
أتت هذه الإطلالة اللافتة للأميرة رجوة في أول مشاركة لها في احتفال عيد الاستقلال السنوي بعد ولادة الأميرة إيمان.