منع قداس في كنيسة القيامة يُفجّر غضباً دولياً… ويضع إسرائيل تحت الضّغط
بعدما منعت الشرطة الإسرائيلية الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين وحارس الأماكن المقدسة، من دخول كنيسة القيامة لإقامة قداس أحد الشعانين، رغم التنسيق المسبق وبمشاركة محدودة جداً، اندلعت موجة واسعة من الإدانات الدولية، سرعان ما تحوّلت إلى أزمة سياسية ودينية ذات أبعاد تتجاوز الحدث نفسه.
وبررت الشرطة القرار بتعليمات "قيادة الجبهة الداخلية"، فيما أكدت البطريركية أن الترتيبات كانت تشمل البطريرك ومرافقين اثنين فقط، مع اتخاذ تدابير لتفادي أي تجمّع. واعتبر البطريرك أن القرار "متسرع ومعيب جوهرياً، ويشكّل انحرافاً صارخاً عن حرية العبادة واحترام الوضع القائم".
وتكتسب الحادثة طابعاً استثنائياً، إذ يُعدّ أحد الشعانين من أقدم الطقوس في القدس، ولم تُسجّل في التاريخ الحديث سابقة مماثلة لمنع البطريرك من دخول الكنيسة التي تُقام فيها المراسم منذ القرن الرابع الميلادي.
إدانات واسعة… من روما إلى واشنطن ومدريد
أثارت الحادثة ردود فعل غاضبة في عدد من العواصم الغربية، واحتلت موقعاً متقدماً في وسائل الإعلام الدولية، بما فيها الإسرائيلية. فقد عنونت صحيفة "إسرائيل اليوم" الخبر بـ"عاصفة في العالم المسيحي"، ووصفت ما جرى بأنه "سابقة خطيرة تتجاهل مشاعر مليارات البشر".
في إيطاليا التي تُعدّ من أبرز الدول الكاثوليكية، تصدّر الخبر العناوين، حيث اعتبرت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أن ما حدث "يمس بمكان مقدس للمسيحية، ولا يضر بالمؤمنين فحسب، بل بكل جماعة تعترف بحرية الدين".
وأعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني استدعاء السفير الإسرائيلي في روما للحصول على توضيحات رسمية بشأن القرار، في خطوة تعكس مستوى التصعيد الديبلوماسي.
أما السفير الأميركي مايك هاكابي، فعبّر عن موقف غير معتاد، واصفاً ما جرى بأنه "استثناء مؤسف له تداعيات خطيرة في جميع أنحاء العالم"، مشيراً إلى أن عدد المشاركين في القداس كان أقل بكثير من الحد الذي تسمح به التعليمات الأمنية.
وفي إسبانيا، اعتبر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن "منع الكاثوليك من الاحتفال تم من دون أي تفسير أو مبرر"، داعياً إسرائيل إلى احترام حرية الدين والقانون الدولي، ومشدداً على أن "لا تعايش من دون تسامح".

قراءة إسرائيلية… من التبرير الأمني إلى القلق السياسي
داخل إسرائيل، لم تُقابل هذه الإدانات بتجاهل، بل تحوّلت إلى مادة نقاش إعلامي وسياسي. فقد سلطت صحيفة "هآرتس" الضوء على مكانة بيتسابالا، واصفة إياه بأنه من أبرز الشخصيات في العالم الكاثوليكي، ومرشح سابق لمنصب البابا، كما أشارت إلى حضوره البارز خلال الحرب وزياراته المتكررة لغزة.
ونقلت الصحيفة عن مصدر أمني رفيع أن "طبيعة البلدة القديمة، بأزقتها الضيقة وصعوبة دخول فرق الإنقاذ إليها، تُستخدم كعامل أساسي في تبرير القيود، خصوصاً في حال وقوع هجوم صاروخي داخل المنطقة".
في المقابل، رأت المحللة السياسية آنا بارسكي، في "معاريف"، أن الحادثة تجاوزت كونها إجراءً أمنياً، لتتحول إلى "أزمة سياسية دولية"، مشيرة إلى أن ما بدأ كقرار ميداني سرعان ما وضع إسرائيل في مواجهة مع العالم الكاثوليكي، وربما مع الفاتيكان.
وأضافت أن التفسير الأمني، رغم استناده إلى واقع عملياتي معقّد، لم ينجح في كبح موجة الإدانات، خصوصاً في إيطاليا، حيث سُجّلت أقوى ردود الفعل.
ولفتت إلى أن الحدث اكتسب بعداً دولياً سريعاً، ليس فقط بسبب مكانة البطريرك، بل أيضاً بسبب توقيته، في لحظة تتجه فيها أنظار العالم المسيحي إلى القدس خلال أسبوع الفصح.
احتواء متأخر… ورسائل مزدوجة
أمام تصاعد الضغوط، أعلنت الشرطة لاحقاً موافقتها على "خطة صلاة مخفّضة"، فيما أصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بياناً باللغة الإنكليزية أكد فيه أن المنع جاء "حرصاً على السلامة"، مشيراً إلى أن الأجهزة الأمنية تعمل على إيجاد صيغة تسمح بإقامة الصلوات خلال الأيام المقبلة.
غير أن عدم إصدار بيان مماثل بالعبرية عكس، وفق قراءات داخلية، محاولة لاحتواء التداعيات الخارجية من دون فتح نقاش داخلي واسع حول القرار.
في المحصلة، لا يقتصر الجدل على إجراء أمني أو حادثة بروتوكولية، بل يتصل بالصورة التي تعكسها هذه القرارات، خصوصاً عندما تطال أحد أقدس المواقع الدينية وفي توقيت بالغ الحساسية.
وبين الإدانات الدولية والقراءات الإسرائيلية، تبدو الحادثة أقرب إلى اختبار سياسي وديني مفتوح، يكشف حدود التوازن بين الاعتبارات الأمنية وحرية العبادة، ويضع إسرائيل أمام تداعيات تتجاوز بكثير قرار منع قداس محدود.
نبض