هجوم طال انتظاره في ايران ولبنان... إسرائيل المتشجعة "تغتنم" الفرص لـ"إعادة تشكيل" المنطقة
لسنوات، وبينما كانت إسرائيل تندد بالبرنامج النووي الإيراني، بدت وكأنها تتحفظ عن مواجهة إيران عسكرياً. كانت تخشى أن يرد "حزب الله"، الحليف السياسي لطهران في لبنان، نيابة عن إيران، ويطلق ترسانته التي تضم آلاف الصواريخ والقذائف ويمطر نيران الجحيم على حيفا وتل أبيب.
الآن، تسيطر إسرائيل والولايات المتحدة على الأجواء فوق إيران وتقومان بتدمير البنية التحتية والصواريخ الباليستية الإيرانية بشكل مطرد.
عندما انضم "حزب الله" إلى القتال، وإن كان ذلك بشكل رمزي يوم الاثنين، حصلت إسرائيل على الذريعة التي كانت تحتاجها، بحسب تقرير لـ"نيويورك تايمز". وأعلنت عن هجوم مضاد أكثر أهمية بكثير وطال انتظاره، مستهدفة قادة "حزب الله" في بيروت وجميع أنحاء البلاد.
وقد شجعتها شراكتها مع الولايات المتحدة، وشعورها بقوتها العسكرية، وإدراكها لضعف خصميها اللذين يعتبران من أشد أعدائها، على اغتنام الحرب الجديدة كفرصة لتحقيق أجندتها الجيوسياسية.
وقال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي اللواء إيال زامير لقادة الفرق على الحدود الشمالية لإسرائيل يوم الاثنين: "سننهي هذه الحملة ليس فقط بضرب إيران، بل بضرب حزب الله ضربة مدمرة". وألمح إلى معركة طويلة مع "حزب الله"، قائلاً إنها لن تنتهي "قبل القضاء على التهديد من لبنان".
هذه أيضًا حرب بدأتها إسرائيل بشكل انتهازي. وتعكس هذه الحقيقة تحولا مهما في التفكير الاستراتيجي للبلاد منذ الهجوم الذي قادته "حماس" في 7 تشرين الاول/أكتوبر 2023، والفشل الكارثي للاستخبارات الذي جعل ذلك ممكنا.
لم تعد إسرائيل تثق في قدرة أجهزتها الاستخباراتية على قراءة نوايا خصومها بدقة. لذلك، عندما يبدأ الأعداء المصممون على تدمير إسرائيل في حشد الوسائل لتحقيق ذلك، ترى إسرائيل الآن أنه من الضروري تدمير تلك القدرات كلما سنحت لها الفرصة.
وقالت شيرا إيفرون، محللة شؤون إسرائيل في مؤسسة راند، في إشارة إلى أحد الأسباب الرئيسية للهجوم الإسرائيلي-الأميركي يوم السبت: |لهذا السبب، لم يعد النقاش حول ما إذا كانت إيران على وشك تطوير أسلحة نووية أم لا مهما في هذه المرحلة".
وفقًا لثلاثة مسؤولين دفاعيين إسرائيليين، أمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو القادة العسكريين في نهاية العام الماضي بالبدء في التخطيط لشن هجوم منفرد ضد إيران في وقت ما بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو.
وقال أحد مسؤولي الدفاع لـ"نيويورك تايمز" إن القادة العسكريين لم يكونوا متحمسين لأنهم لم يعتقدوا أن إسرائيل، بمفردها، يمكنها تحقيق أكثر مما حققته في حرب الـ12 يوما في حزيران 2025. كما كانوا قلقين بشأن قدرتهم على الدفاع ضد ما توقعوا أن يكون ردا إيرانيا يستهدف المراكز السكانية الإسرائيلية بصواريخ باليستية.
بمجرد أن أصبح واضحا أن الولايات المتحدة ستكون شريكة إسرائيل في هجوم على إيران وبدأت في حشد قواتها في المنطقة، قال مسؤولان في وزارة الدفاع إن الجنرالات الإسرائيليين غيروا موقفهم. فقد أدركوا أن هذه فرصة تاريخية لضرب إيران وتدمير ترسانتها الصاروخية وإلحاق المزيد من الضرر ببرنامجها النووي، بل ومحاولة دفع الحكومة الإيرانية إلى حافة الانهيار.
وقال المسؤولان إن تحمل الأميركيين لجزء كبير من العبء - بما في ذلك إرسال أسطول ضخم من ناقلات التزويد بالوقود في الجو - مكن إسرائيل من نشر أكبر أسطول جوي لها على الإطلاق يوم السبت. وقالا إن ذلك سمح بشن هجوم مدمر على منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية.

على النقيض من ذلك، قال محللون إن حملة إسرائيل ضد "حزب الله" تعكس حقيقة أنها كانت قد وضعت خططا منذ أشهر لمثل هذا الهجوم وكانت تنتظر ذريعة لتنفيذها.
وقالت أورنا مزراحي، نائبة مستشار الأمن القومي السابقة والمتخصصة في شؤون لبنان في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب: "كانت إسرائيل تنتظر الفرصة". ووصفت الهجوم الصاروخي والطائرات المسيرة الذي شنه "حزب الله" يوم الاثنين بأنه "مغامرة غبية للغاية".
منذ حربها التي استمرت ثمانية أسابيع مع "حزب الله" في تشرين الاول والثاني 2024، اتهمت إسرائيل الحزب المسلح بانتهاك الهدنة وقصفت ما تسميه أهدافا إرهابية في لبنان بشكل شبه يومي.
من جانبه، يقول "حزب الله" إن تلك الضربات الإسرائيلية تشكل انتهاكات لوقف إطلاق النار، ووصف هجومه يوم الاثنين بأنه رد على الاستفزازات الإسرائيلية. وقد نزح عشرات الآلاف من الناس في لبنان منذ بدء القتال، وقُتل 52 شخصًا يوم الاثنين، وفقا للحكومة اللبنانية.
لعدة أشهر، هددت إسرائيل بشن هجوم جديد إذا لم تسرع الحكومة اللبنانية في نزع سلاح الحزب، كما هو مطلوب بموجب وقف إطلاق النار لعام 2024. على الرغم من ضعفه الشديد، قاوم "حزب الله" نزع السلاح على مستوى البلاد ما لم توقف إسرائيل غاراتها على لبنان وتنسحب من عدة مناطق صغيرة تحتفظ بها في الأراضي اللبنانية.
في كانون الثاني، أعلن الجيش اللبناني أنه سيطر على جنوب نهر الليطاني، باستثناء تلك المواقع الإسرائيلية.
وقالت مزراحي: "لكن هذا لا يعني أنهم قضوا على كل الوجود العسكري لحزب الله هناك. وهذا لا يكفي لإسرائيل".
أما بالنسبة لما ستترتب عليه الحملة الجديدة في لبنان، فقد قال محللون إنهم يتوقعون عملية برية، وليس مجرد غارات جوية، وأشاروا إلى نشر جنود الاحتياط في وحدات المشاة والمدرعات على طول الحدود الشمالية. أعلن متحدث عسكري إسرائيلي صباح الثلاثاء أن القوات قد استولت بالفعل على مناطق جديدة في جنوب لبنان بالقرب من الحدود خلال الليل، لكنه أصر على أن هذه "خطوة تكتيكية" وليست جزءًا من مناورة أو غزو أوسع نطاقا.
وقال شيمون شابيرا، وهو عميد متقاعد درس "حزب الله" لسنوات عديدة، إن الهدف من الهجوم الجديد ضد الحزب لا بد أن يكون تفكيك قوته العسكرية.
وقال: "الهدف هو جعل حزب الله حزبا سياسيا بدون أسلحة أو جيش".
إذا كان قادة إسرائيل يبدون متفائلين بشأن آفاق هذه الحرب على جبهتين وما قد تعنيه للمنطقة، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون مفاجأة كاملة، حسبما قال محللون.
بصرف النظر عن الحرب في غزة، حققت إسرائيل نجاحات عسكرية قوية في السنوات القليلة الماضية، حيث أضعفت وكلاء إيران في سوريا ولبنان، وغطت على إخفاقاتها في 7 أكتوبر بسلسلة من الضربات الاستخباراتية والهجمات الجوية المدمرة.
لكن ثقة إسرائيل الزائدة بنفسها تنطوي أيضا على احتمال التجاوز.
وقالت إيفرون، المحللة في مؤسسة راند، إن إسرائيل بحاجة إلى أن تتذكر ضرورة إبرام اتفاقات سياسية، وليس فقط شن الحروب. وأضافت: "إن اعتقاد دولة يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة بأنها تستطيع، بمجرد استخدام القوة، تغيير المنطقة بأسرها، هو أمر مبالغ فيه بعض الشيء. لا أحد يحب إيران، لكن هذا لا يعني أن السلوك العدواني من جانب إسرائيل مقبول".
نبض