إسرائيل تراهن على المعارضة الإيرانية لإسقاط النظام
لم يكن إصدار جهاز الاستخبارات الخارجية والعمليات الخاصة "الموساد" الإسرائيلي بياناً باللغة الفارسية، يحث فيه الإيرانيين على النزول إلى الشارع والاشتباك مع قوى الأمن، وتجديد التظاهرات والاحتجاجات، والمساهمة الفعّالة في مهمة القضاء على النظام، مفاجئاً، فهو جزء من المخطط الذي رسمته إسرائيل لحربها التي وصفت بأنها ستكون "سحقاً متواصلاً".
لكن الواقع على الأرض يبدو معاكساً للأمنيات الإسرائيلية بحسب الخبراء والمحللين في استوديوهات القنوات الإخبارية، فبينما يبدو المستوى السياسي راضياً عن نتائج الأيام الأولى للحرب، عبّرت مصادر أمنية عن خشيتها من دخول الحرب مرحلة استنزاف "إن لم تستسلم إيران لشروط الرئيس الأميركي دونالد ترامب"، وفقاً لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.
وأضافت المصادر الأمنية المطلعة: "رصدنا قراراً إيرانياً مسبقاً، في أعقاب حرب الـ12 يوماً، بتشكيل نظام قيادي يسمح بمواصلة الحرب حتى في حال اغتيال القيادات العليا، لذلك أقرّت مسبقاً هرماً قيادياً بديلاً، انطلاقاً من إدراكها أن أي اجتماع للمسؤولين من شأنه أن يجعلهم هدفاً مباشراً للأميركيين والإسرائيليين"، لكن المصادر اعتبرت أن سلسلة الاغتيالات التي نفذت "تسببت بإرباك منظومات السيطرة والقيادة الإيرانية".
من جهته، رأى المحلل العسكري في "هآرتس" عاموس هاريئيل أن "النظام الإيراني استعد لحرب طويلة، والمرشد الأعلى علي خامنئي كان قد أعد خطة لنقل السيطرة لخلفائه، فإيران لا تُظهر حتى الآن أي بوادر استسلام، بل تسعى لإلحاق أكبر ضرر ممكن بإسرائيل، من خلال هجمات تستهدفها والقواعد الأميركية والبريطانية في دول الخليج وقبرص".
وقد يكون خلفاء خامنئي أكثر تطرفاً منه، وكما يبدو فإن رئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني سيترأس القيادة الإيرانية خلال الفترة الانتقالية، ومن المتوقع أن يؤدي رئيس البرلمان محمد قاليباف دوراً محورياً أيضاً.
وتابع هاريئيل: "يبدو أن الخطوة الإسرائيلية-الأميركية تُبشّر بنجاح عملياتي كبير، فقد أدّى مزيج من المعلومات الاستخباراتية المبكرة والضربات الدقيقة إلى اغتيال خامنئي، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، وغيرهم من كبار المسؤولين، لكن في هذه المرحلة يصعب تقييم ما إن كان هذا النجاح سيُترجم إلى نهاية سريعة للحرب واتفاق تقبله الولايات المتحدة وإسرائيل".
تسريع العملية العسكرية
ووفقاً لهاريئيل، تشير تقديرات الجيش الإسرائيلي إلى أن العملية قد تستمر لعدة أسابيع، وأن النهاية لا تزال بعيدة، في الوقت الذي استعد فيه النظام الإيراني لحرب طويلة الأمد مقارنة بالجولات السابقة. ووصف إطلاق النار هذه المرة بأنه أقل تركيزاً وأكثر عشوائية، ويتمثل نجاحهم الرئيسي، إلى جانب الخسائر نتيجة القصف الصاروخي المتواصل، في إبقاء شريحة كبيرة من الإسرائيليين حبيسين في الملاجئ والأماكن المحصنة معظم الوقت منذ بدء الحرب.
وأشار هاريئيل نقلاً عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع المستوى إلى "وجود تنسيق وثيق للغاية مع الولايات المتحدة، سواء في الهجوم على إيران أو في استهداف أنظمة الدفاع الصاروخي، والتغييرات والتحسينات البرمجية التي أُدخلت على أنظمة الاعتراض الإسرائيلية قد حسّنت قدراتها بشكل ملحوظ".
وأضاف أن إسرائيل أطلقت نحو ألفي قنبلة من الجوّ، مقارنة بما أطلقته خلال حرب الـ12 يوماً التي أسقط خلالها سلاح الجو نحو 5000 قنبلة، حيث إن نطاق هذه العملية أوسع بكثير.
ووفقاً لمسؤولين كبار في الجيش الإسرائيلي، تمكن سلاح الجو من تعطيل ما بقي من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، وتحقيق التفوّق الجوّي في غضون 24 ساعة، فالطائرات تحلّق في سماء طهران وتهاجم أهدافاً هناك مباشرة، دون الحاجة لمهاجمتها من بعيد ومن المجال الجوي لدول أخرى، وهذه الطريقة تتيح للعمليات شن ضربات أكثر شمولًا وفعالية.

انسحاب متوقع لترامب
بدورها، وصفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الهجمات الإيرانية على دول الخليج واستهداف المنطقة بأسرها، وإرساء سياسة ردع وتهديد للولايات المتحدة، معتبرةً أن استمرار الحرب سيضر الاقتصاد العالمي، وسيؤثر مباشرة على أسعار النفط، وربما يطال سلباً أسواق الأسهم، وهو ما يشغل بال ترامب دائماً.
وتساءلت الصحيفة: "هل سيواصل هذه المرة ممارسة ضغط عسكري مكثف ومتواصل للإطاحة بالنظام، أم سيستجيب خلال الأيام المقبلة لمقترح تسوية يفرض قيوداً مشددة على البرنامج النووي، لكنه لن يؤدي إلى استبدال القيادة الحالية؟".
في الوقت الذي يرغب فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المضيّ قدماً لأقصى حد بطريقة ستغيّر موازين القوى الاستراتيجية في الشرق الأوسط تغييراً جذرياً، لكنها تتطلب مزيداً من الوقت والموارد العسكرية، يبقى القرار النهائي بيد ترامب الذي لم يُبدِ رأيه بعد، لكنه صرّح بأنه على اتصال بالقيادة الجديدة في إيران في محاولة لاستئناف المفاوضات.
واختتمت الصحيفة بأن الجيش الإسرائيلي يحاول تسريع الضربات قدر الإمكان، قبل وضع فرامل أميركية محتملة، في أعقاب مشاورات أمنية أجراها نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، حيث تقرر تصعيد الهجمات، وتعمل القوات العسكرية بموجب خطة منتظمة تشمل أهدافاً كثيرة أخرى "لإضعاف سيطرة النظام"، لكن الإيرانيين تداركوا الوضع بسرعة وأطلقوا عشرات الصواريخ البالستية تجاه إسرائيل ودول أخرى في المنطقة، ورغم الاستهداف الشديد للقيادة ومنظومة إطلاق الصواريخ الإيرانية، لم تنهَر.
وختمت الصحيفة بأن تصريحات ترامب: "الحرب تتقدم أسرع مما خطط له، والإيرانيون يريدون التحدث، وأنا وافقت لذلك سأتحدث معهم"، تدل على نفاد صبره ورغبته في حرب سريعة بدون أي ورطة، ومؤشر على خلافه مع إسرائيل حيال نهاية الحرب، إذ يبدو أن ترامب سيتوقف من دون تحقيق جميع أهداف الحرب كما يريد نتنياهو.
نبض