ترامب خطّط لحرب "4 إلى 5 أيام"... تكهنات اسرائيلية باليوم التالي في إيران بعد خامنئي
منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران، تسوّق وسائل الإعلام الإسرائيلية ما يجري على أنه إنجاز عسكري غير مسبوق واختراق استراتيجي كبير. فالإعلان عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القيادات العليا اعتبره بعض المحللين ضربة مباشرة لمركز الثقل في النظام الإيراني، وقدّم على أنه بداية لتغيير وجه الإقليم بصيغة أميركية–إسرائيلية، باعتبار أن الطرفين يمتلكان الهدف والدافع معاً.
لكن أصواتاً إسرائيلية بارزة دعت إلى التريث. فقد كتب عاموس هاريئيل في "هآرتس" أن اغتيال القادة "لا يعني إسقاط النظام"، فالتجربة تُظهر أن "تصفية شخصيات بارزة لا تُسقط المؤسسات". فمقتل قاسم سليماني لم يُنهِ نشاط "فيلق القدس"، كما أن اغتيال قادة عسكريين سابقين لم يُعطّل تطوير الصواريخ أو البرنامج النووي.
ورغم تركيز الإعلام الإسرائيلي على الشراكة الاستثنائية والتنسيق الكامل بين تل أبيب وواشنطن، فإن التحليلات لم تُغفل التساؤل حيال قدرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مواصلة الحرب في ظل ضغوط داخلية متزايدة، خصوصاً إذا طال أمدها أو ارتفعت كلفتها السياسية. وبينما تتحدث بعض التقديرات عن أيام قليلة من القتال، نقلت صحيفة "إسرائيل اليوم" عن جهات أمنية قولها: "أمامنا الكثير من العمل في إيران. ستكون عملية تطهير شاملة تستمر أسبوعين على الأقل".
في المقابل، أشارت "هآرتس" إلى أن التوقعات الإسرائيلية ترجّح استمرار الحرب أياماً، مع ترجيح تراجع وتيرة إطلاق الصواريخ الإيرانية خلال أيام بعد استهداف منصات الإطلاق، مع الاستعداد لاحتمال دخول الحوثيين أو "حزب الله" على خط المواجهة.
وتشير تقديرات الجيش الاسرائيلي إلى أن إيران أطلقت دفعات محدودة من الصواريخ، ولم تُفعّل بعد كامل قدراتها. وبحسب مصادر عسكرية، فإن طهران تدير مخزونها الصاروخي على افتراض أن الصراع قد يطول، وربما يتوسع إلى جبهات عدة.

الإنجازات العسكرية لا تكفي
ترى "هآرتس" أن خامنئي كان يستعد لاحتمال غيابه في الأشهر الأخيرة، وربما شجّع على تعيين خليفة وخوض "حرب استنزاف" مع ترامب. وتشير الصحيفة إلى أن اغتياله يفتح سلسلة خيارات أمام النظام، لكنه لا يحسم مستقبله.
فهل هدف ترامب لإخضاع النظام ودفعه إلى الإقرار بالهزيمة والقبول بالشروط الأميركية–الإسرائيلية، أم أن الهدف إسقاطه بالكامل تمهيداً لقيام نظام جديد؟ الخيار الأول يمنح القيادة فرصة تعيين مرشد جديد سريعاً، وربما إنقاذ نفسها عبر صفقة استسلام. أما الخيار الثاني فيعني إطلاق مسار تغيير جذري قد يفضي إلى قيادة بديلة توقّع اتفاق سلام وتعيد رسم معادلات الإقليم.
وترجّح "هآرتس" أن يتحول اختيار الخليفة إلى "ساحة صراع بين المحافظين والإصلاحيين، وبينهم وبين الحرس الثوري الذي سيسعى إلى تأمين قائد يمثّله، والنتيجة ستحدد مسار النظام ومصير الحرب".
أما تسفي باريئيل فحذّر من التسرع في تقدير طبيعة الرد الإيراني. فإذا اعتبرت طهران أن "النظام نفسه مستهدف، وأن الثورة الإسلامية مهددة في جوهرها، فقد تلجأ إلى حرب شاملة". أما إذا رأت فرصة للحفاظ على النظام مقابل تنازلات، فقد تعود إلى القنوات الديبلوماسية، ولو تحت عنوان "المرونة البطولية".
لكن قرار الحرب الشاملة محفوف بمخاطر جسيمة، في ظل توازن عسكري مختلّ لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعقيدات داخلية في بنية صنع القرار، حيث تتداخل المصالح العسكرية مع شبكات اقتصادية ضخمة تديرها مؤسسات كالحرس الثوري.
وتفيد تقديرات بأن خامنئي كان قد عيّن بدلاء عسكريين تحسباً لسيناريو استهداف القيادة، مع تعليمات واضحة للتحرك باستقلالية عند انقطاع الاتصال. وقد يتحول الصراع إلى حرب استنزاف طويلة تُلحق أضراراً متواصلة، وتضع واشنطن وتل أبيب أمام معادلة مكلفة، فيما يراهن النظام على كسب الوقت ومنع عودة الاحتجاجات الداخلية بزخم واسع.
حرب قصيرة أم استنزاف طويل؟
المحلل ناحوم بارنياع في "يديعوت أحرونوت" اعتبر اغتيال خامنئي إنجازاً استخباراتياً وعسكرياً، لكنه شدد على أن إسقاط النظام "لن يكون فورياً". ولفت إلى أن واشنطن اقترحت، عبر وسيط يُرجّح أنه إيطاليا، اتفاقاً سريعاً لوقف إطلاق النار، لكن طهران رفضته.
وطرح بارنياع سيناريوات متعددة: "ربما لا يحدث تغيير فوري؛ وربما تنخرط الفصائل الحليفة لإيران في لبنان والعراق واليمن بكامل قوتها؛ وربما تخرج احتجاجات داخلية في إيران". لكنه حذّر من أن تطورات ميدانية كاستهداف ناقلة نفط أو قاعدة أميركية قد تُعقّد موقف ترامب داخلياً، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط.
ورأى أن أمام إسرائيل ثلاثة مسارات يمكن تسويقها كإنجاز: "توجيه ضربة عسكرية قاسية تُضعف النظام؛ فرض اتفاق استسلام نووي؛ أو إسقاط النظام. الأول واقعي، الثاني صعب، والثالث مغامرة كبرى".
الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني تظل قائمة. فالتصريحات عن "نصر تاريخي" و"محو كامل" للتهديدات قد لا تصمد أمام اختبار الزمن، إذا تبيّن أن التهديد يعود كل بضعة أشهر.
وفي المحصلة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمهد هذه الجولة لتغيير جذري في إيران، أم أنها بداية مرحلة استنزاف طويلة تعيد رسم التوازنات من دون إسقاط النظام؟
نبض