من الديبلوماسية إلى "السحق المتواصل": إسرائيل تستعد لسيناريو التصعيد الكبير مع إيران
في ظل توتر متصاعد بين واشنطن وطهران، تستعد المنظومة الأمنية الإسرائيلية لاحتمال انهيار المسار الديبلوماسي مع إيران. ودفعت المخاوف من أن يدفع أي فشل في القنوات الديبلوماسية نحو تصعيد عسكري شامل قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، الجيش والموساد، إلى رفع مستوى الجاهزية القصوى، وتحديث الخطط الدفاعية والهجومية.
تصاعد التوتر
التقارير الواردة تشير إلى حساسية الوضع في إيران، مع فرض قيود واسعة النطاق وحظر الإنترنت. وتطرح الأوساط الأمنية أسئلة ملحّة: هل بدأ العد التنازلي لهجوم أميركي محتمل؟ ومتى قد يُشنّ؟
ويتساءل الخبراء إن كان الهجوم المقبل سيكون خاطفاً أم حرباً طويلة الأمد؟ استناداً إلى حجم القوات وأنواع الأسلحة المتمركزة في المنطقة. وبحسب صحيفة "معاريف" العبرية "لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت حاملة الطائرات جيرالد فورد سترسو قبالة سواحل حيفا أم أشدود". وقد تشير زيارة وزير الخارجية الأميركي لإسرائيل، خلال أيام، إلى توقيت الهجوم، أو تشّكل جزءاً من الاستعدادات الاستراتيجية، في ظل المهلة الممنوحة للإيرانيين للرد حتى الأسبوع الأول من آذار/مارس المقبل.
ويأتي هذا في ظل التصعيد المستمر الذي تلعب فيه إسرائيل، ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو شخصياً، دوراً بارزاً، إذ تحولت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى ماكينة بروباغندا سياسية تستهدف كل فرصة ديبلوماسية لإنهاء التوتر، وتصبّ الزيت على النار.
جاهزية فورية للجبهة الداخلية
تتسابق وسائل الإعلام الإسرائيلية في نشر تقارير عن استعدادات قيادة الجبهة الداخلية لاحتمال انهيار القناة الديبلوماسية الأميركية-الإيرانية. ووفق مصادر عسكرية تحدثت إلى موقع "واللاه نيوز" العبري، فإن القوات، وخاصة وحدة الإنقاذ والإغاثة، تلقت تعليمات بالبقاء في حالة تأهب كامل للخروج الفوري إلى الميدان في حال تعرض العمق الإسرائيلي لأي أضرار، أو وقوع "دمار" في مناطق حيوية.
وتضمنت الاستعدادات تعزيز التعاون مع جهات الإنقاذ المدنية، وإجراء تقديرات موقف مشتركة مع مختلف الوزارات الحكومية، وتنفيذ ترقيات تكنولوجية في منظومات القيادة والسيطرة داخل المقار والكتائب النظامية وقوات الاحتياط. الهدف كان ضمان استمرارية عمل المرافق الحيوية في حالات الطوارئ، وتنسيق الجهود، وتحديث الإجراءات مع قادة قوات الإنقاذ والإغاثة، وتشديد التعليمات العملياتية لسيناريوات قصوى وحالات ميدانية معقدة.
في هذا الإطار، قررت شعبة العمليات في هيئة الأركان العامة تشديد الإجراءات وإصدار تعليمات إضافية للحفاظ على مستوى استعداد مرتفع لاحتمال فشل الجهود الديبلوماسية.
وأشار اللواء احتياط يفتاح رون تال، في منشور على "إكس"، إلى أن "ضربة محدودة لإيران ممكنة لإخراج عنصر التردد من على طاولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن ليس هناك أي فرصة لموافقة الإيرانيين على المطالب الأميركية، سواء في ملف النووي أو الصواريخ الباليستية". وأضاف: "حتى إذا بدأ الهجوم بضربة محدودة، فستتبعه خطوات كبيرة تهدف إلى الضغط على النظام الإيراني، ولن تكون الضربة الوحيدة".

الرجل الثاني الأقوى في إيران
ركزت صحيفة "يديعوت أحرونوت" على الشق السياسي للتحضيرات، مشيرة إلى توسيع صلاحيات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، الذي أحبط انقلاباً داخلياً ضد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وأصبح يدير شؤون البلاد فعلياً متجاوزاً الرئيس مسعود بزشكيان. وقد أصبح مسؤولاً عن التنسيق مع حلفاء إيران، بما في ذلك روسيا وقطر وسلطنة عُمان، ويشرف على المفاوضات النووية مع واشنطن، ويضع خططاً لإدارة البلاد في حال اندلاع حرب مع أميركا.
ورأى الباحث في برنامج إيران بمعهد دراسات الأمن القومي (INSS) داني سيترينوفيتش، في تصريح لـ"يديعوت أحرونوت"، أن لاريجاني ليس الوحيد الذي يحظى بثقة المرشد، بل هناك أمين مجلس الدفاع علي شمخاني أيضاً، ما يعني أنه "ليس حاكماً مطلقاً". وأوضح أن التقارير حيال إدارة البلاد تعكس حرص النظام على ضمان استمرارية الوظائف، في حال غياب المرشد أو إقصائه. كما أشار إلى أن مكانة بزشكيان تراجعت أمام خبرة لاريجاني وثقته، ما جعل الأخير الرجل الثاني رسمياً في إيران، ومسؤولاً عن المشاريع الوطنية والاستراتيجية.

"السحق المتواصل"
الشقّ العسكري الذي تناوله رون بن يشاي يتمحور بشأن قرار ترامب تغيير نهجه بالكامل، والانتقال من خيار الضربة المحدودة إلى تبنّي استراتيجية "السحق الطويل الأمد". فبدلاً من تحرك قوي لبضعة أيام، كما كان يُخطَّط سابقاً، يجري الحديث عن حملة ممتدة تستمر لأسابيع، تتولاها حاملة الطائرات "جيرالد فورد" القادرة على تنفيذ نحو 150 طلعة قتالية يومياً، مع دور محوري لسلاح الجو الإسرائيلي وجهازي الاستخبارات العسكرية والموساد. الهدف لم يعد مجرد توجيه رسالة ردع، بل إحداث إنهاك منهجي لقدرات إيران العسكرية والأمنية، بالتوازي مع التعويل على الداخل الإيراني الذي يعيش حالة توتر غير مسبوقة.
وبحسب المعطيات، تعمل وكالات الاستخبارات الأميركية والبنتاغون والقيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) على إعداد هجوم واسع النطاق وطويل الأمد يشمل جميع الأراضي الإيرانية. الحملة التي توصف بأنها قد تشبه "حرب 12 يوماً" لكن بزخم أكبر هجوماً ودفاعاً وربما أطول زمناً، ستترافق مع إجراءات لحماية القواعد الأميركية وحلفائها ومنشآت الطاقة وخطوط النقل في المنطقة. ويعكس الأمر العملياتي الصادر بتوجيه "جيرالد فورد" وسفن مجموعتها القتالية نحو الشرق الأوسط جدية الانتقال إلى هذا الخيار.
وتشير مصادر أميركية إلى أن قرار إطلاق "حملة ساحقة" جاء بعد قناعة البنتاغون وخبرائه، إلى جانب نتنياهو وكبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، بأن عملية قصيرة مهما بلغت قوتها لن تحقق الأهداف المعلنة. فهي لن تمنع إيران من مواصلة تطوير برنامجها النووي، بل ستؤخره فقط، ولن تُحدث تغييراً جذرياً في بنية النظام أو تسقطه. كما أن التهديد وحده لن يدفع خامنئي إلى تقديم تنازلات تتعلق بالصواريخ الباليستية أو تمويل حلفائه الإقليميين.
الحملة المخطط لها أكثر طموحاً في أهدافها؛ فهي تسعى إلى إضعاف قدرة النظام وأجهزته الأمنية على السيطرة وقمع الاحتجاجات، عبر عمليات سرية وخاصة تدعم تنظيم الصفوف حول شخصيات معارضة داخلية ومنفية، من بينها رضا بهلوي. ويُنظر إلى استهداف آليات القمع، ولا سيما قوات الباسيج والحرس الثوري، كوسيلة لتمكين الشارع ومنحه شعوراً بوجود دعم فعلي، بما يضعف قاعدة السلطة تدريجياً.
ومع ذلك، تبقى علامات الاستفهام حاضرة في تقديرات وكالات الاستخبارات الأميركية ونظيراتها الإسرائيلية والعربية والتركية، بحسب بن يشاي، إذ لا يقين بأن عملية أميركية إسرائيلية مشتركة، مهما بلغت قوتها، ستقود فعلياً إلى انهيار النظام في طهران.
أما الأهداف العملياتية المباشرة فتشمل استكمال تدمير المنشآت النووية لإطالة أمد إعادة تشغيل مشروع تخصيب اليورانيوم وتطوير الرؤوس الحربية لسنوات، مع التأكيد أن هذه المشاريع ستبقى تحت مراقبة استخباراتية دقيقة، وأن الهجمات قد تتجدد إذا استُخدم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% والبالغ 408 كيلوغرامات. كذلك تستهدف الحملة تدمير معظم قدرات تطوير وإنتاج وتخزين وإطلاق الصواريخ الباليستية بمختلف مداها، بهدف الحد من قدرة النظام، في حال صموده، من تهديد إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج، ما قد يدفع إيران لاحقاً إلى تفضيل اتفاق يقيّد قدراتها الصاروخية وينهي دعمها لوكلائها، تحت رقابة دولية صارمة وعمليات تفتيش مفاجئة داخل أراضيها.
نبض