بين التفاؤل والحذر: إسرائيل تراقب احتجاجات إيران
تتابع إسرائيل التطورات في إيران بحالة من التأهّب. فبعد أسبوعين على خروج المتظاهرين إلى الشوارع احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى تفاقم الاحتجاجات وتهديدها لاستقرار النظام، مع ازدياد أعداد المشاركين إلى أكثر من مليون شخص.
النقطة المركزية في هذه المرحلة هي تجنّب الانزلاق إلى سوء تقدير أو تصعيد ومواجهة مباشرة، في ظل قناعة بأن جهة ما تدير الاحتجاجات من خلف الكواليس بما يسمح بانتشارها وتنسيقها بين مختلف المناطق. وبحسب ما أفادت "القناة 12" نقلاً عن مسؤول إسرائيلي، فإن الرسائل العلنية التي يوجّهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لها تأثير فعلي داخل إيران وتسهم في تأجيج الاحتجاجات، وقد عقدت الإدارة الأميركية اجتماعات أولية لبحث سبل دعم المتظاهرين، من بينها الهجمات السيبرانية وعمليات التأثير المعنوي ضد النظام.
في المقابل، لا تتوافر لدى إسرائيل مؤشرات على أن طهران تسعى إلى تحويل الأنظار نحوها أو التصعيد في اتجاهها. لذلك تفضّل تل أبيب في الوقت الراهن البقاء على الهامش وترك قيادة المشهد لواشنطن.
التحريض العلني
توجد فجوة بين المعطيات الميدانية التي تشير إلى احتجاجات ذات خلفية اقتصادية متراكمة وانتشار جغرافي غير موحّد، وبين التغطية الإسرائيلية التي تميل سريعاً إلى نقل الحدث من الاقتصاد إلى السياسة، ومن الاحتجاج إلى الحديث عن إضعاف النظام أو اقترابه من نقطة انهيار.
تركّز السردية الإسرائيلية على تقديم الاحتجاجات بوصفها مؤشراً سياسياً شاملًا يُستثمر داخلياً وخارجياً، لا سيما في مخاطبة الولايات المتحدة والعواصم الغربية، مع إبراز التناقض بين التحريض الإعلامي العلني والحذر الأمني والاستخباراتي في التقديرات.
ولا يزال من غير الواضح ما إن كانت المشاركة الواسعة ستنجح في زعزعة أركان النظام الذي يستخدم وسائل قمع شديدة، بما فيها التهديد بأحكام الإعدام. ومع ذلك، لا تصرّح إسرائيل ولا الولايات المتحدة حتى الآن بمدى استعدادهما للمضيّ في دعم أي سيناريو تصعيدي.
من جهتها، تركز وسائل الإعلام الإسرائيلية، ولا سيما على تطبيق "تلغرام"، على نشر عناوين عن سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى، ووجود قناصة على أسطح المباني، في روايات يصعب التحقق منها ميدانياً.
في الوقت الذي تتابع فيه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عن كثب تطورات الداخل الإيراني وتأثيرها المحتمل على مستقبل النظام، تجري في الولايات المتحدة نقاشات حيال استعدادها لمساعدة الإيرانيين على "نيل حريتهم". وفي هذا السياق، لمّحت جهات إسرائيلية مقرّبة من دوائر صنع القرار إلى احتمال هجوم أميركي وشيك على إيران، إلا أن هذه التقديرات لا تبدو واقعية في المرحلة الراهنة.

استعدادات إسرائيلية
أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بتسجيل نشاط غير اعتيادي للأجهزة الأمنية، شمل استدعاء عدد من كبار ضباط الجيش بشكل عاجل إلى مقر وزارة الأمن في تل أبيب، في إطار إعداد صورة استخباراتية وعملياتية دقيقة لمتابعة التطورات في إيران وتقدير انعكاساتها على أمن إسرائيل والمنطقة.
ورأت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن إسرائيل تتابع الوضع في إيران بتركيز عالٍ، فيما يعتبر خبراء في الشأن الإيراني أن الفرصة سانحة أمام الإيرانيين لإسقاط النظام، نظراً إلى اتساع الاحتجاجات وانتشارها الجغرافي وجرأتها في كسر حاجز الخوف. ويشيرون إلى بروز قيادة رمزية تتمثل في ولي العهد المنفي رضا بهلوي، الذي يوجّه المتظاهرين من الخارج بخطاب يتجاوز الإصلاح إلى الدعوة الصريحة لإسقاط النظام.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي كبير قوله إن الدعوات لإعادة الملكية "باتت غير مسبوقة" في مدن دينية كبرى مثل مشهد وقم، وصولاً إلى بلدات صغيرة، رغم صعوبة استشراف مآلات المشهد "في ظل نظام لا يتورّع عن استخدام العنف".
ويقدّر خبراء إسرائيليون أن اتساع الاضطرابات يزيد من احتمالات ارتكاب النظام أخطاءً في التقدير، ما يفسر الحذر في التصريحات الرسمية.
وصف الباحث راز تسيمت من معهد دراسات الأمن القومي ما يجري بأنه "أخطر تهديد للنظام" منذ عام 1979، مشيراً إلى أن حركة الاحتجاج "باتت واسعة وغير قابلة للاحتواء التقليدي".
أما المحلل العسكري عاموس هاريئيل من صحيفة "هآرتس"، فرأى أن ترامب يضع تغيير النظام الإيراني في رأس أولوياته، وقد يقيّد حرية إسرائيل في التحرك. ورغم صعوبة التنبؤ بالنتائج، فإن "النظام يواجه أخطر اختبار في تاريخه".
وأضاف أن انهيار حاجز الخوف "لا يزال غير محسوم"، إذ يعتمد مصير الاحتجاجات على رد فعل قوات الأمن والموقف الدولي، ولا سيما الأميركي. وأشار إلى أن ضعف قبضة النظام بدا واضحاً في السنوات الأخيرة من خلال تقديم تنازلات، مثل تخفيف القيود على لباس النساء.
وفيما لا يزال المرشد الأعلى علي خامنئي يرفض تقديم تنازلات في الملف النووي، قد تدفع الأزمة الداخلية إلى "إعادة النظر في موقفه لتخفيف الضغوط الاقتصادية"، لكن يبقى السؤال: هل ستقبل واشنطن بذلك إذا لاح في الأفق احتمال تغيير النظام؟ يتساءل هاريئيل.
من جهته، حذّر اللواء المتقاعد إليعازر ماروم، في مقابلة مع إذاعة "103 إف إم"، من أن سقوط النظام قد يفضي إلى قيام حكم عسكري بقيادة الحرس الثوري، محذراً من مرحلة فوضى شبيهة بسوريا. وقدّر أن اضطراب الأوضاع يصعّب على إيران إطلاق الصواريخ، بسبب تعقيدات لوجستية وحركية.
ودعا ماروم إلى عدم التسرّع في مهاجمة إيران، معتبراً أن التهديدات الأقرب، ولا سيما في لبنان وسوريا وغزة، يجب أن تبقى في صدارة الأولويات، موضحاً: "إن كنا سنتعامل مع إيران، فسيكون من الصواب أن نبدأ بلبنان أولاً".
نبض